القيصران والأسد وسوريا الجريحة

يظهر النظام السوري صورة إيجابية عن “ورشة” إعادة الإعمار وأمل بالاستقرار والازدهار بينما يعاني البلد من نزاع “على نار خفيفة”، وفقر مدقع، ودمار، ووضع اقتصادي رديء، وواقع سياسي وعسكري مقلق، وتماسك اجتماعي أضعف من أي وقت مضى.

ساد أوساط المعارضة السورية والجهات الداعمة لها تفاؤلا زائدا بين عامي 2011 و2013 بأن سقوط نظام الأسد بات وشيكا. تبدد مع الوقت هذا الشعور ليحل مكانه تفاؤلا ساذجا منذ عام 2015 روجت له (ولا تزال) منابر “محور الممانعة” عن أن “قيصر روسيا” سوف يرسي الاستقرار والازدهار في بلد يقوده إلى الهلاك نظام يتمسك بالحكم بأي ثمن وعلى حساب شعبه.

وفي نفس الوقت كان “قيصر” ثانيا يمهد طريقه لفضح جرائم نظام انبرى يفتك ـ لأكثر من أربعة عقود ـ بالسوريين وجيرانهم اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين وحتى الأردنيين في فترات معينة. لكن فظاعة “أسد سوريا” منذ انقلابه التشريني عام 1970 لا تقارن مع حجم العذاب والدمار الذي خلفته الحرب في السنوات التسعة الأخيرة.

حتى عام 2020، لم يتم إرساء أي حل ـ ولو جزئي أو مرحلي ـ لأي من دوافع السوريين للانتفاض على وضعهم

لقد شكلت الانقسامات الإقليمية وغياب الإرادة الدولية فرصة ذهبية لروسيا وإيران وتركيا لتقاسم النفوذ في سوريا. ظاهريا، يتباهى النظام ومن يسانده بالنصر ويضلل شعبه بملفات اقتصادية ومعيشية ومعارك دونكيشوتية ضد بعض رموز السلطة والفساد من العائلة الحاكمة. كما ويحاول تجييش علاقاته الدبلوماسية لتحسين صورة النظام من خلال إعادة فتح بعض السفارات والإعلان عن نية بعض الشركات الانخراط في عملية “إعادة اعمار” لا تزال افتراضية. ولكن المشكلة الأساس تبقى أن الأمل بنهاية قريبة لهذا النزاع ضئيل ـ إن وجد.

على الصعيد العسكري، تبدو خارطة النفوذ في سوريا كالفسيفساء فيها لون غالب لنظام يتنازع السيطرة على الأرض مع قوات تركية وروسية وأميركية (ولو بنسب مختلفة) بالإضافة إلى مجموعات مسلحة غير حكومية (ميليشيات غير سورية موالية ومعارضة للنظام، “داعش” وأخواتها…). ويزيد المشهد تعقيدا عند تعداد المجموعات المسلحة السورية إن كانت عرقية أو مذهبية أو حتى شبيحة في ظاهرهم علمانيين.

سياسيا، تبين أن نموذج “إعادة الاستقرار والمصالحة” الروسي لا يعدو كونه وهما أو تضليلا إذ أن معظم المناطق التي استعادها النظام لم يحترم فيها التزاماته رغم الضمانات الروسية لمجتمعات هذه المناطق. لا بل أبعد من ذلك، ينذر الواقع السياسي في مناطق حساسة ومضطربة (شمالي شرق سوريا، درعا/السويداء، ريف حلب….) بأن سيطرة النظام هشة وليست بالضرورة محكمة. 

هذا الواقع السياسي أدى إلى إضعاف التماسك الاجتماعي بين مكونات المجتمع السوري وضمن كل مكون. لذا نرى بؤر عنف وعدم استقرار في درعا، السويداء، ريف دمشق، ريف حلب، حماه… هذا إذا استثنينا ساحة المعركة الكبرى في إدلب وبعض مؤشرات الإنهاك والتململ ضمن المكونين العلوي والمسيحي الذين لجأ تاريخيا إلى النظام للحماية من خطر الحركات الإسلامية. يأتي البعد السياسي لموضوع توفير شروط عودة كريمة وأمنة للنازحين واللاجئين كأحد العوامل التي لن يستطيع النظام التعامل معه بسبب فقدان جزء كبير من شرعيته محليا ودوليا.

حتى من كان ليدفع للأسد أو يساعد نظامه سوف يضطر إلى اعتماد مقاربة حذرة في ظل شح الموارد المتوقع في عام 2021 وما بعده

أما على الصعيد الاقتصادي، فالصورة ليست بأبهى. لطالما كان اقتصاد سوريا متعثرا (قبل 2011) وإطاره العام موجها وحاضنا لفساد ممنهج وانعدام الإنتاجية. لكن الشعب السوري تأقلم في الربع الأخير من القرن الماضي مع واقعه الاقتصادي وركز على الإنتاج والاستهلاك المحليين في ظل شبه استحالة الاندماج في عولمة الاقتصاد.  

ثم جاءت الحرب وكلفتها كضربة قاتلة لذاك الاقتصاد الواهن فأصبحت سوريا تعتاش عمليا على المساعدات من بعض الحلفاء وعلى استخدام رئتها الغربية لبنان للتغلب على التحديات المالية والاقتصادية. 

نفذ هذا الترف مع تقهقر الاقتصادين اللبناني والسوري وشح العملات الصعبة منذ عام 2019 ثم تفاقمت التحديات الاقتصادية مع توسع العقوبات الأميركية على سوريا وإيران وروسيا والقيود التي وضعت على القطاع المصرفي اللبناني في السنوات الأخيرة ليأتي الآن تنفيذ “قانون قيصر” المستجد مسددا ضربة مؤلمة لأصحاب نظرية “التطبيع الاقتصادي من خلال إعادة الاعمار” من الأسيويين أو الأوروبيين أو العرب الممانعين.  

إن الحد من حماسة هؤلاء واندفاعهم لإحياء نظام الأسد لم يأت فقط من قانون قيصر بل أيضا بسبب التراجع الاقتصادي العالمي نتيجة جائحة كورونا والذي سوف يظهر جليا بدءا من السنة المقبلة. فحتى من كان ليدفع للأسد أو يساعد نظامه سوف يضطر إلى اعتماد مقاربة حذرة في ظل شح الموارد المتوقع في عام 2021 وما بعده.

هذا ناهيك عن أن حجم الموارد المطلوبة هو خرافي إذ أن حاجات سوريا لا تنحصر فقط بإعادة إعمار مناطق معينة بل تتخطاها إلى إنشاء بنى تحتية لم تكن موجودة أصلا وإعادة هيكلة اقتصاد غير منتج وتمويل إعادة النازحين واللاجئين وتوفير دعم لقطاعات أساسية (الصناعات الصغيرة، الزراعة، المصارف…) بالإضافة إلى إنشاء شبكات حماية اجتماعية لأن الحلول السياسية والاقتصادية ـ حتى إن وجدت ـ سوف تتطلب وقتا لإعطاء نتائج.

استثمرت روسيا وإيران كثيرا في تعزيز الوجود العسكري، وهو يعني أن الدولين لن تتخليا عنه بسهولة مما يعطي إسرائيل حجة التدخل

ولو وضعنا جانبا التحديات السياسية والاقتصادية، لا يمكن إغفال التحديات المجتمعية. نزل آلاف السوريين والسوريات إلى الشارع عام 2011 طلبا للكرامة الإنسانية (قبل عسكرة الحراك واستغلاله إقليميا ودوليا) وكانت المطالب كثيرة وتتراوح بين السياسي والاقتصادي والمجتمعي والثقافي وغيرها. 

حتى عام 2020، لم يتم إرساء أي حل ـ ولو جزئي أو مرحلي ـ لأي من دوافع السوريين للانتفاض على وضعهم كما ولم يتم العمل على أي من الحلول التي تمنع التحاق السوريين بتنظيمات إرهابية إن كان برغبتهم أو بحكم الضرورة. فبين إدلب ومخيم “الهول” ومناطق أخرى تكثر في سوريا مجموعات إرهابية تشكل عائقا أساسيا أمام أي محاولة إعادة استقرار. 

عسكريا، استثمرت روسيا وإيران كثيرا في تعزيز الوجود العسكري، وهو يعني أن الدولين لن تتخليا عنه بسهولة مما يعطي إسرائيل حجة التدخل ويضعف شرعية أي حكومة قادمة معينة (كحل مؤقت) أو منتخبة كما وسيساهم هذا بوأد أي محاولة جدية لتنفيذ برنامج عدالة انتقالية في حال وجدت تسوية للنزاع.

بينما تأكل القوى الإقليمية وغالبية المجتمع الدولي الحصرم، السوريون يضرسون في انتظار تسوية لحرب عبثية. يصر عدد كبير من السوريين والمهتمين بالشأن السوري أن أي تسوية لن تكون قابلة للحياة إلا إذا أخذت في الاعتبار ضرورة فكفكة نظام العائلة مع الحفاظ على بعض المؤسسات الحيوية ضمن إطار تفاهم دولي وإقليمي يعطي الأمم المتحدة هامش تحرك فعال ويوفر حوافز لإنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار وتأمين عودة كريمة وآمنة للاجئين والنازحين كما وإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين مكونات المجتمع السوري بما فيه حل عادل للقضية الكردية ومشاركة فاعلة للنساء والشباب، بالإضافة إلى تصميم ودعم إطار تطبيقي منهجي للعدالة الانتقالية يحاسب مرتكبي جرائم الحرب من جميع الجهات ويكون حجر أساس لبناء وطني يمنع الانزلاق مجددا في حروب وأعمال عنف.

ينطبق على الوضع السوري اليوم ما ورد في إنجيل القديس لوقا أن “الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ”. لكن المعضلة الأكبر أن سوريا ـ بشرا وحجرا ـ تنزف وليس من “الفعلة” من ترف له عين

 

 

الكاتبون:د. إيلي أبو عون, سرهنك حمه سعيد – المصدر:قناة الحرة