حققت القوات النظامية السورية أمس تقدماً كبيراً بدخولها قلعة الحصن الأثرية في ريف حمص في وسط البلاد التي كان يسيطر عليها مقاتلو المعارضة منذ أكثر من سنتين، ما شكل خطوة إضافية نحو تعزيز سيطرته على الحدود مع لبنان التي استمر منها تدفق النازحين، وخصوصاً جرحى المعارك والقصف. وتعرضت مناطق واسعة في حلب شمالاً لقصف من قوات النظام.
وجاء الهجوم على بلدة الحصن، آخر معقل لمقاتلي المعارضة في ريف حمص الغربي، بعد أيام من سيطرة القوات النظامية على مدينة يبرود، آخر أكبر معقل لمقاتلي المعارضة في منطقة القلمون شمال دمشق الحدودية مع لبنان أيضاً.
ومن شان سيطرة القوات النظامية على بلدة الحصن أنها باتت عملياً تتحكم بكل ريف تلكلخ وريف حمص الغربي، وأنها أقفلت الطريق إلى الحدود مع لبنان في تلك المنطقة.
بينما لا يزال مقاتلون من مجموعات المعارضة المسلحة منتشرين في المنطقة الجبلية من القلمون في ريف دمشق، لكنهم شبه مطوقين، وتسعى القوات النظامية مدعومة من «حزب الله» اللبناني، إلى تأمين هذه المنطقة الحدودية، التي تقول السلطات السورية إنها ممر للسلاح والإمدادات والمسلحين.
وأعلن الإعلام الرسمي السوري بعد ظهر أمس، أن «الجيش السوري رفع علم الوطن على قلعة الحصن بعد القضاء على الإرهابيين الذين كانوا متحصنين فيها». وبث تلفزيون «الميادين»، الذي يتخذ من بيروت مقراً، صوراً مباشرة بدا فيها عدد من الرجال باللباس العسكري داخل القلعة وهم يرفعون العلم السوري ويلوحون به على سطحها، بينما تسمع أصوات رشقات رشاشة غزيرة.
وقال عقيد في الجيش السوري لمراسل تلفزيون «الميادين»: «تم تحرير قلعة الحصن والأرياف والقرى المجاورة، معقل الإرهابيين في ريف تلكلخ ومنطقة وادي حمص. استراتيجياً، هذا يعني أن خط الإمداد الذي كان يبدأ من وادي خالد في لبنان في اتجاه تلكلخ ثم حمص انقطع، و(…) حددنا من تسلل المسلحين والإرهابيين من داخل سورية ومن لبنان ودول أخرى». وذكر العقيد أن «بعض فلول المسلحين يحاولون الهروب إلى الأراضي اللبنانية، ومجموعات من الجيش والدفاع الوطني تقوم بملاحقتهم».
وكان مصدر عسكري سوري أفاد صباح الخميس «فرانس برس» عن مقتل 11 مقاتلاً معارضاً في كمين نصبته لهم القوات النظامية خلال فرارهم من بلدة الحصن في اتجاه الأراضي اللبنانية.
واكد مصدر أمني لبناني تعرض نازحين من سورية لقصف خلال عبورهم معابر غير قانونية متفرقة على مجرى النهر الكبير الفاصل بين البلدين، ووقوع عشرات الإصابات، كما أشار «المرصد السوري لحقوق الإنسان» الى «عشرات القتلى والجرحى» نتيجة استهدافهم بالقصف من القوات النظامية بين الحصن والحدود اللبنانية.
وبين القتلى لبناني قيادي في مجموعة «جند الشام» التي كانت تقاتل في قلعة الحصن يدعى خالد المحمود، وهو معروف أيضاً بخالد الدندشي و» أبو سليمان»، وقد نعاه أهله في مدينة طرابلس في شمال لبنان.
وقال المصدر الأمني اللبناني إنه تم نقل «ستين جريحاً» ممن أصيبوا في القصف خلال محاولتهم دخول لبنان إلى مستشفيات الشمال، مشيراً إلى أن القصف طاول منطقة وادي خالد اللبنانية وأصاب منزلاً بأضرار.
وقال خالد حسين، الذي شارك في نقل الجرحى والنازحين في منطقة وادي خالد، لمراسل «فرانس برس» إن «عملية النزوح من الحصن إلى وادي خالد بدأت قبل ثلاثة أيام»، مشيراً إلى دخول سبعين شخصاً اليوم غير المصابين.
وأشار إلى وجود «جثث في مجرى النهر الكبير»، وقال: «إن هناك عدداً كبيراً من المقاتلين اللبنانيين السنة في الحصن مع مقاتلي المعارضة، وعدد كبير منهم من الشمال».
في منطقة أخرى من الحدود، نفّذ الطيران السوري منذ مساء الأربعاء وحتى بعد ظهر الخميس سلسلة غارات على بلدة عرسال اللبنانية الحدودية مع ريف دمشق. وعرسال ذات غالبية سنية وهي تتعاطف إجمالاً مع المعارضة السورية وتستضيف عشرات آلاف النازحين السوريين.
ورجح مصدر أمني لبناني أن يكون الطيران استهدف مقاتلين فارين من منطقة القلمون.
والى جانب المنطقة الجبلية المحاذية لعرسال، التي يتواجد فيها مقاتلو المعارضة في القلمون، تسعى قوات النظام السوري إلى استعادة بلدة رنكوس جنوب يبرود.
ورأى تشارلز ليستر من مركز «بروكينغز» للدراسات في الدوحة، أن «الحدود اللبنانية ذات أهمية ضئيلة نسبياً في ما يتعلق بإمدادات السلاح (إلى المعارضة المسلحة). إلا أن اهميتها تكمن في أنها على الصعيد اللوجستي العام، تشكل واحة لإجراء الاتصالات وتوجد فيها مخابئ صغيرة آمنة». وأشار إلى أن حركة العبور عبر الحدود كانت تتم بشكل رئيسي عبر يبرود والقرى المجاورة لها، إلا أنه لم يستبعد استمرار عمليات التهريب عبر استخدام طرق فرعية صغيرة في منطقة رنكوس وفي محيط قلعة الحصن. وتوقع ليستر أن تحقق قوات النظام السوري «خلال الأشهر القادمة انتصارات استراتيجية أخرى في ريف دمشق وريف حمص»، إلا أن «طول الحدود وطبيعتها أرضاً وعرة وغير مرسمة، ستجعل أمر إقفالها نهائياً في وجه المعارضة أمراً شبه مستحيل».
وفي غرب البلاد، أفاد «المرصد» بـ «قصف القوات النظامية مناطق في بلدة سلمى وقرية دويركه وطريق قرية آرا في اللاذقية، ترافق مع قصف الطيران الحربي مناطق على طريق اللاذقية- حلب» شمالاً. وفي حلب، سقطت قذيفة هاون على منطقة في شارع التلل في حي العزيزية، ما أدى إلى سقوط جريح على الأقل، فيما تعرضت مناطق بالقرب من دوار بعيدين لقصف جوي. كذلك تعرضت أماكن في منطقة السكن الشبابي وحي الحيدرية لقصف بالبراميل المتفجرة، وفق «المرصد»، الذي أشار إلى أن قوات النظام قصفت مناطق قرب مستشفى الكندي بالتزامن مع غارة للطيران الحربي على مناطق في حي كرم البيك و «قصف الطيران طريق الكاستيلو ومحيط سجن حلب المركزي ومشفى الكندي الذي تسيطر عليه الكتائب الإسلامية المقاتلة. ونفذ الطيران الحربي غارتين جويتين على مناطق في بلدة حريتان، في وقت دارت «اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية مدعمة بقوات الدفاع الوطني وضباط من «حزب الله» اللبناني من جهة ومقاتلي جبهة النصرة وحركة فجر الإسلامية وعدة كتائب إسلامية مقاتلة من جهة أخرى في محيط قرية الصباحية قرب بلدة خناصر، وأنباء عن خسائر بشرية في صفوف القوات النظامية»، وفق «المرصد».
وفي وسط البلاد، نفذ الطيران الحربي الغارة الجوية الرابعة على مناطق في بلدة اللطامنة في حماة، وأفادت مصادر المعارضة بسيطرة مقاتليها على نقاط للقوات النظامية في ريف حماة، ونفذ الطيران الحربي غارات عدة على مناطق في مدينة خان شيخون المجاورة لحماة.
وفي دمشق، نفذ الطيران الحربي غارتين جويتين على مناطق في محيط مخيم خان الشيح بين العاصمة والجولان ، وفق «المرصد»، الذي قال: «دخلت عدة آليات تحمل مساعدات غذائية إلى مدينة دوما وخرجت بعدها، أعقبها قصف من القوات النظامية بقذائف الهاون على مناطق في مدينة دوما».
الحياة