تفاصيل رحلة الخوف السوري المهجَّر بين طمع المهربين ومقامراتهم وتعذيب الجندرما ورصاصاتهم

أكثر من 320 مدني استشهدوا برصاص الجندرما…عشرات المفقودين وآلاف أعيدوا وأهينوا وعذِّبوا..عمليات تهريب ورشاوى لضباط وعناصر أتراك

بين أن تبقى نازحاً في بلادك وتصبح لاجئاَ في دول الجوار، رصاصة قد تخطئك، أو عين حارس لا تراك، هذه هي المسافة بين الأراضي السورية وأرض الأتراك، وما بين هذا وذاك احتمالات مفتوحة، قتيل، جريح، معاق، مفقود، مسروق، وجثة في نهر أو بين الأحراش، وفي العنوان تكون ضحية مهرب، أو جثة وجدت مقتولة بظروف مجهولة، فالعائلات تفترش العراء أمام مكتب العبور في المعبر الرسمي بباب الهوى، وفي حدائق وعراء مكشوف أمام المشفى القريب منها، لتلخص المشهد برمته، هذا المشهد الذي طال ابن محافظة إدلب والكثير ممن من نزح إليها نتيجة القصف أو في تطبيق لـ “مصالحات” جرت في مناطقهم، وبخاصة في محافظتي حمص وريف دمشق وأطراف العاصمة دمشق، ممن هجروا من مساكنهم ومدنهم وبلداتهم وقراهم، وآخرون ممن نزحوا نتيجة العمليات القتالية بين الأطراف المتصارعة في مناطق سكنهم، فيما يهدف المقامرون بأرواحهم للوصول إلى مكان يعيشون فيه بأمان بعيداً عن القصف والغارات والاشتباكات

في أواخر العام 2014 ومطلع العام 2015، أغلقت الحدود، وضيق العبور على الراغبين بالعبور إلى تركيا، وتزايد التضييق على الحدود، بدأ بإعادة القادمين، لحين الوصول إلى قتلهم، مروراً بالضرب والإهانات والتعذيب والتحرش، وأفعال متزايدة، خرقت كل معايير حقوق الإنسان، وحوَّلت المواطن السوري الفارِّ من الموت، إلى مجرد جثة أو إلى شخص مطعون في كرامته ومضروب في جسده، ويبرر ذلك عن الفاعلين، “محاولة دخول بلاد مجاورة بطريقة غير مشروعة”، فيما تناسى حرس الحدود أن الحدود أغلقت بوجه اللاجئين لـ “منع تدفق مزيد من المقاتلين الأجانب إلى الأراضي السورية”، ودفع الأمر تركيا لحد بناء جدار حدودي يفصل بينها وبين الأراضي السورية، والجدار مبني ضمن الأراضي السورية التي اجتزأتها تركيا قطعة تلو الاخرىن وهذا ما دفع المدنيين لسلوك طرق طويلة محفوفة بالمخاطر، عبر الوديان والتلال والجبال للوصول إلى الداخل التركي، وباتت رحلتهم ما هي إلا مسيرة من الموت إلى موت آخر لا يختلف في غالب الأحيان إلى فاعله

شبح الموت المخيم على الحدود، لم يقف عند حد تقاضي المبالغ المالية الكبيرة من الأهالي والمواطنين الخارجين إلى تركيا، من قبل المهربين، بل وصل الأمر بالمهربين إلى القيام بسلب المنتقلين إلى تركيا أموالهم ووصل الحال أحياناً لحد القتل ورمي الجثث في أماكن بعيدة، رافقها تكتم على الكثير من ضحايا عمليات التهريب، من قبل من وصفهم أهالي للمرصد السوري لحقوق الإنسان أنهم “مستفيدون من عمليات التهريب”، فيما أكدت مصادر أهلية وطبية للمرصد السوري لحقوق الإنسان أنه يكاد لا يخلو يوم من أحداث قتل وجرح بحق مواطنين حاولوا دخول الأراضي التركية بطريقة غير شرعية، في حين أن المكان الأشهر لعمليات التهريب بات المنطقة المقابلة لقرية الدرية الحدودية بريف إدلب، والتي تركزت عمليات التهريب فيها، بسبب وجود فتحة واسعة بالجدار الحدودي، تمتد بطول مئات الأمتار مقابل القرى الحدودية بين سلهب والزنبقي، لم تنته القوات التركية من استكمال بنائها، ولكنها تخضع لحراسة تركية، ما دفع المهربين، إلى حفر ممرات من تحت الجدار، أو باستخدام سلم للصعود، وتقطيع الأسلاك الشائكة، وبات من الاعتيادي أن تكون هناك أنباء عن سقوط مواطنين من أعلى الجدار أو إصابتهم بكسور وجروح، في حين يعمل حرس الحدود التركي من خلال محارسه ونقاطه المنتشرة على الحدود مع إدلب، إلى رصد واستهداف أي تحرك على الحدود، حتى وصل الأمر إلى قتل مواطنين داخل أراضيهم بريف إدلب، خلال عملهم في هذه الأراضي المحاذية للحدود، بذريعة “الاشتباه بمحاولة عبورهم للحدود”، وكان آخرها قتل طفل وجرح أفراد من عائلته خلال عملهم بقطاف الزيتون في ريف إدلب الشمالي إضافة لتعرض سيارات لإطلاق نار مباشر من حرس الحدود التركي، تسبب في وقوع إصابات بين مستقلي هذه السيارات بالقرب من قرية الدرية، في حين أن قوات الجندرمة التركية عمدت إلى قتل امرأة وإطلاق النار على المسعفين من فريق الدفاع المدني، وتركت الجثة ملقاة بالاحراش لأكثر من 3 أيام، لحين تمكن اهالي ومنقذين من سحبها، فيما فقد العشرات، وأعيد الآلاف إلى سوريا خلال الأعوام الفائتة بعد تعذيب وضرب وإهانة المئات منهم

الحدود السورية – التركية تحتضن مشهداً يومياً يتلخص بافتراش العائلات للعراء، في ظروف جوية وصحية تكاد تكون الأسوء، لدرجة تحول محيط مكان تجمع المدنيين الراغبين بالخروج إلى تركيا، إلى مكب نفايات مسبب لكثير من الأمراض، كما يعمد بعضهم للسكن في منازل قريبة من الحدود السورية – التركية، في محاولة لإيجاد فرصة للخروج وعبور الحدود، وأبلغت مصادر أمنية المرصد السوري أنها تلقت العديد من الشكاوى من مواطنات، يشتكين تعرضهن للتحرش والسرقة والاحتيال، خلال محاولات فرارهم إلى تركيا، ووثقت بعض الحالات ضد المهربين والعاملين معهم، فيما وثقت عدة حالات ضد حرس الحدود التركي، وكان رصد أحد مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان في أواخر آذار / مارس الفائت، ومطلع نيسان / أبريل من العام الجاري 2017، تحرشاً من قبل عناصر من حرس الحدود بمواطنة سورية، دفعت بالشبان المتواجدين إلى العراك بالأيدي مع عناصر حرس الحدود، إذ قام الأخير بزجهم في السجن وتعريضهم للإهانة والضرب المبرح، فيما كانت وثقت إحدى الحالات ضد مهرب اتهم بشكل مباشر بسرقة فتاة خلال محاولة تهريبها إلى تركيا، حيث جرى زجه في سجن للفصائل الأمنية بإدلب ومن ثم أخرج بعد دفع غرامة مالية وإعادة المسروقات

بعد تكرار حالات القتل واختفاء مواطنين خلال خروجهم نحو الجانب التركي، أجبر مكتب العبور التابع لهيئة تحرير الشام المهرب على اقتطاع وصل ودفع مبلغ مالي قدره 25 دولار أمريكي، في مركز الدرية الحدودي التابع للهيئة، كما يقوم المركز بتدقيق هويات الخارجين نحو تركيا، ويقبض على مطلوبين لتحرير الشام ومن هو مطلوب بجريمة أو جنحة أو ما شابه، بالإضافة للقبض على منشقين عن قوات النظام أو ما شابه، حيث وثق المرصد السوري في آب المنصرم العام الجاري اعتقال منشق عن قوات النظام في ريف جسر الشغور وتحويله إلى سجن حارم، في حين أكدت مصادر عدة للمرصد السوري، أن عملية التهريب لا تجري بشكل اعتباطي، وإنما تجري بطريقة منظمة، فهي ليست إلا شبكة منظمة، مؤلفة من مهربين سوريين يعملون في الداخل السوري، ومواطنين سوريين في الجانب التركي من الحدود، كما تحدث البعض عن وجود عسكريين وضباط أتراك مشاركين في عمليات التهريب، وتسهيلها، بعد اتفاقها مع المهربين على دفع نسبة من العملية إلى حسابهم الشخصي، كما اتهمت المصادر الضباط والعناصر الأتراك بتقصد استهداف الفارين بشكل عشوائي على الحدود، لإجبار من يريد اللجوء إلى تركيا، على اتباع مهربين والحصول على نسبهم، وقالت المصادر أنه “”يوجد في المراصد المقابلة لقرى كاورغو والعدنانية، ضباط أتراك يتلقون الرشاوى، مقابل السماح بدخول عدد معين من الأشخاص الراغبين بدخول تركيا، وهذا النوع من التهريب يعتبر الأكثر أمنا والأسهل، ولكن معظمهم لايستطيعون دفع المبالغ المرتفعة، فيضطرون لاختيار التسلل ليلاً ودفع مبالغ مالية أقل””، ووصفت المصادر العملية قائلة ::””هي أشبه بعملية عسكرية، فاكتشاف أي تحرك، قد ينهي حياة الخارجين عن طريق التهريب نحو الاراضي التركية، من قبل حرس الحدود التركي الذي يرسل الكلاب البوليسية لاصطيادهم””، حيث يدفع ذلك المواطنين إلى تلقي الإهانات والشتائم من قبل المهربين لعدم قدرة البعض على استكمال المسير في الظلام وبين الجبال، كما أنه فيحال ألقي القبض عليهم فإن مصيرهم يكون الضرب المبرح والذي ينجم عنه كسور وإصابات بليغةن كما يتم تعريض المهرب إن كشف أمره لعقا أقصى ينجم عنه أحياناً إعاقات دائمة، كما يجري إعادة المجموعة جميعها إلى الأراضي السورية عبر منافذ حدودية أخرى، كما أن عمليات القتل تجري جميعها على الشريط الحدودي، ومن النادر أن يقتل أشخاص داخل العمق التركي نتيجة تسللهم إلى الأراضي التركية عن طريق التهريب

المرصد السوري وثق منذ انطلاقة الثورة السورية في آذار / مارس من العام 2011، وحتى اليوم الـ 31 من تشرين الأول / أكتوبر من العام 2017، استشهاد 324 مدني على الأقل بينهم 59 طفلاً و31 مواطنة عدد الشهداء الذين وثقهم المرصد السوري منذ انطلاقة الثورة السورية وحتى يوم 12 من أيلول / سبتمبر الجاري من العام 2017، جراء استمرار قوات الجندرما التركية “حرس الحدود” في استهداف المواطنين السوريين الذين فروا من العمليات العسكرية الدائرة في مناطقهم، نحو أماكن يتمكنون فيها من إيجاد ملاذ آمن، يبعدهم عن الموت الذي يلاحقهم في بلادهم سوريا، وأن ينجوا بأطفالهم، حتى لا يكون مصير أطفالهم كمصير نحو 18500 طفل استشهدوا منذ انطلاقة الثورة السورية، ومصير عشرات آلاف الأطفال الآخرين الذين أصيبوا بإعاقات دائمة، أو مصير آلاف الأطفال الذين أقحموا في العمليات العسكرية وحوِّلوا إلى مقاتلين ومفجِّرين، فيما كانت نشر المرصد السوري لحقوق الإنسان في نهاية تموز / يوليو الفائت من العام الجاري 2017، أنه ورد إلى المرصد السوري خلال الساعات والأسابيع الفائتة وفي الأشهر التي مضت، عدد من الأشرطة المصورة التي يظهر فيها ضحايا رصاص حرس الحدود التركي، ممن استشهدوا حين محاولتهم إيجاد الملاذ الآمن في الجانب التركي، فيما أظهرت العديد من الأشرطة المصورة اعتداء حرس الحدود التركي على شبان ومواطنين سوريين بعد اعتقالهم خلال محاولتهم عبور الشريط الحدودي، حيث يعمد عناصر حرس الحدود إلى ضربهم وتوجيه الشتائم لهم، وكان آخرها شريط وردت نسخة منه إلى المرصد السوري يوم الأحد الـ 30 من تموز / يوليو الجاري، ظهر فيها اعتداء بالضرب بسوط وبالأيدي على عدد من الشبان الذين اعتقلوا، وأظهر الشريط توجيه أسئلة إليهم مع الضرب الوحشي والإهانة المتعمدة، من قبيل “ماذا لديكم في تركيا حتى تأتوا إليها؟ وهل أنتم مهربون؟!، هل ستأتي مرة أخرى إلى تركيا؟! ومن ثم عمد أحد عناصر الحرس إلى مناداة أحد رفاقه آمراً إياه بضرب أحد الشبان المعتقلين، وقال للعنصر الذي يقوم بتصوير المقطع، أرسل لي الفيديو حتى انشره على الواتس آب، كما هددهم في حال العودة مرة أخرى إلى تركيا، قائلاً لهم:: إذا كنت تخاف من الضرب لماذا أتيت إلى تركيا، هل تريدوننا أن نعاملكم بشكل جيد؟!