مع مطلع عام 2015 ها هي جبهة النصرة تأخذ مكان داعش، وتسير على خطى هجومها الذي شنته على الأتارب والفوج 46 في مطلع عام 2014، إذ تعرضت حركة «حزم» إحدى أبرز مجموعات المعارضة السورية المقاتلة إلى هزيمة واسعة في الأيام الماضية على يد جبهة النصرة، التي هاجمت مقر الفوج 46 وطردتها منه، ومن مناطق أخرى مجاورة.
وقد بدا أن الحملة التي قادتها «النصرة» قبل بدء الهجوم كانت تهدف إلى سحق وإنهاء حركة حزم، إذ افتعلت الجبهة مسرحية من الأكاذيب والتضليلات المفضوحة، كان من أبرزها بث تسجيل مصور لما زعمت أنه دليل على تورط حزم في مقتل قاضٍ وأمير جبهة النصرة في محافظة إدلب قبل سبعة أشهر، وحاولت أن تتناسى وتتجاهل أن حركة أحرار الشام قد سبق أن بثت اعترافات المدعو «أبو عبيدة»، الضالع مع شبكة تابعة لتنظيم داعش بقتله، وأنه أقر من تلقاء نفسه باغتياله، وتم تسليمه إلى جبهة النصرة التي بدورها نفذت حكم الإعدام في حقه.
هجوم النصرة أدى إلى الاستيلاء على معقل ومقار حزم، وقتل وجرح معظم عناصرها، إذ أُجبرت حركة حزم على إعلان حل الحركة، من دون أن تتمكن أي من الفصائل العسكرية الأخرى أن تفعل شيئاً، أو تضع حداً لتمادي «النصرة» على أي فصيل، بدعوى الردة والفساد في الأرض.
انهيار «حزم» يعني غياب أهم مجموعة معارضة كبيرة معتدلة وذات صدقية مدعومة من الغرب، فهي الحركة الوحيدة التي حصلت على أسلحة أميركية متقدمة مثل صواريخ «تاو» المضادة للدبابات. «النصرة» سواءً في هذه العملية أم في العملية التي سبقتها منذ أشهر معدودة باجتياح جبهة ثوار سورية، حاولت التباهي وإشعار مؤيديها وأنصارها من خلال مواقعهم على وسائل التواصل الاجتماعي بنشوة الانتصار عبر الاستعراض للأسلحة الثقيلة والصواريخ الأميركية من طراز «تاو»، ولكن استيلاء النصرة على مقار حزم واجتثاثها، وفي ظل الظروف التي تمر بها، لا يمكن اعتباره انتصاراً بالمعنى الحقيقي، بقدر ما يعني مزيداً من التصدع والانشقاق في صفوفها.
فبالتزامن مع نشوة الشعور بالانتصار، أصيبت الجبهة بمقتل القائد العسكري العام «أبو همام الشاميّ» المعروف باسم «فاروق السوري»، الرجل الثاني في جبهة النصرة، بعد قائدها «أبو محمد الجولانيّ» وأحد القلائل الذين لا يزالون على قيد الحياة ممن تعاملوا مع أسامة بن لادن وأبو مصعب السوري، وممن يحظون بمكانة خاصة في تنظيم القاعدة المركزي، إضافة إلى مقتل ثلاثة من أعضاء مجلس شورى الجبهة، وعدم إصدار الجبهة حتى الآن بياناً بشأن ملابسات مقتلهم يشير إلى حجم وعمق الأزمة التي تمر بها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى طرأ على الساحة وبشكل لافت تناول قضية فك الارتباط بين النصرة وتنظيم القاعدة وتشكيلها كياناً جديداً يضم فصائل أخرى غيرها؛ من أجل التكيف مع الظروف بها، وإجراء تغييرات على سلوكها تتيح إعادة تأهيلها، ومن ثم تصنيفها فصيلاً «معتدلاً».
وهذا التناول ليس هو بالأمر بالجديد، فقد كانت العديد من القيادات العسكرية والسياسية للمعارضة السورية وعلى مدى الأعوام الماضية تنتقد جبهة النصرة بانتمائها إلى تنظيم لقاعدة وتطالبها بفك الارتباط عنها، وتعززت تلك المطالبات بعد هزيمتها على يد «داعش» في المنطقة الشرقية، وسعيها إلى إقامة «إمارة» خاصة بها في الشمال السوري، على حساب فصائل المعارضة المعتدلة، بالمقابل فإن «النصرة» لم تكن ترغب في إعلان الانتماء إلى «القاعدة»؛ اتباعاً للنهج والإستراتيجية التي بدأها التنظيم المركزي للقاعدة مع تطورات أحداث «الربيع العربي»، والتي تقوم على إحداث تكيف مع التحولات البنيوية عبر الانتقال من «النخبوية» إلى «الشعبوية»، وضرورة بناء شبكات شعبويّة تمهّد لبناء منظومة إقليميّة جهاديّة متّحدة تقوم على إستراتيجية دمج البعد، النخبوي بالشعبي، ولكن «النصرة» التي أعلنت مبايعتها لتنظيم القاعدة، بعد إعلان البغدادي قيام تنظيم داعش، كانت تظن أن إعلان وإشهار ارتباطها بتنظيم القاعدة سيكون هو الملاذ وقارب النجاة، ولكن الأمور كافة سارت بخلاف ما أرادته «النصرة»، وهو ما كان متوقعاً.
حالياً نشرت وكالات أنباء عالمية في الأيام الماضية وعلى لسان بعض المقربين من «النصرة» أن قيادتها تدرس قطع ارتباط الجبهة بتنظيم القاعدة؛ لتكوين أو ولادة كيان جديد وبمسمى مختلف، وأن ثمة ضغوطاً تمارس من بعض دول المنطقة المرتبطة بتواصل مع قيادتها؛ من أجل إزالة العقبات القانونية التي تحول دون دعمها.
«النصرة» في كل الأحوال تمر بمأزق كبير، وكلا الاحتمالين لن يغيرا من قرب نهايتها التأثيرية في المشهد السوري والتي قد بدأت، سوى في تعجيل ذلك أو تأخيره، فبعض قيادة «النصرة» لو اختارت خيار الانفصال وتكوين كيان جديد، وعلى رغم هذا الخيار لن يغير شيئاً من قناعات وأفكار تلك القادة المرتبطة بالقاعدة، إلا أنها ستواجه انشقاقات كبرى على مستوى أهم قيادتها للتيار الجهادي المعولم، كسامي العريدي الشرعي العام للنصرة وبقية المقاتلين المهاجرين المؤثرين داخل الجبهة، الذين لم ينتسبوا إليها إلا لارتباطها بتنظيم القاعدة، وقد أعلن بعض قادة تلك الكتائب ومنذ تداول هذه الأنباء كقائد كتيبة سيف الله الشيشاني رفض الانفصال عن القاعدة والافتخار بالارتباط بقاعدة الجهاد، وهو ما سيؤدي إلى نزوح وانشقاق هؤلاء ورفضهم للكيان الجديد المزعوم والالتحاق، إما بتنظيم داعش، أو تشكيل جبهة خاصة بهم.
وكذلك فإن جميع محاولات توحيد وبناء التحالفات والجبهات والكيانات المشتركة التي وقفت خلفها قوى إقليمية وحظيت بالدعم المادي والمعنوي قد باءت بالفشل ولم يبقَ منها إلا اسمها، وفي حال اختيارها استمرار الارتباط بالقاعدة فإن ذلك سيزيد من انغلاقها على نفسها ومن تطرفها، ومن الرفض الشعبي لها، فمنذ أشهر عدة والمظاهرات والاحتجاجات الشعبية تندد بأعمالها وترفض وجودها، في العديد من المناطق الخاضعة لها، وفي كل الأحوال فإن «النصرة» في المرحلة المقبلة توشك على الأفول والزوال والانقسام وتشرذم أتباعها، وانجذابهم إما إلى تنظيم داعش أو إلى تشكيل كيانات محدودة.
حسن بن سالم
المصدر : الحياة