حركة استقلال الجزيرة وأشقاؤها السوريون!

نشرت مجموعة سورية تطلق على نفسها اسم «حركة استقلال الجزيرة» وثيقة بعنوان «وثيقة إعلان استقلال الجزيرة» تبرر فيها وجودها ومطلبها الاستقلالي، بعيداً عن أي مظلة أيديولوجية أو استقطاب بين نظام وثورة، أو موالاة ومعارضة، أو استقطابات قائمة على أسس اثنية أو ثقافية أو دينية أو مذهبية. ثمة توكيد على هوية واحدة جامعة لسكان منطقة الجزيرة السورية تتمحور حول النشاط الزراعي، وفقاً للوثيقة، ولا تتعارض مع الهويات الفرعية التي تشكل «مصدر غنى» وليس سبباً للتوترات الاجتماعية. ولا تخفي الوثيقة عنصر المظلومية (التهميش) الذي يشكل لحمة الهوية الجزراوية وسبب نزوعها الاستقلالي.
للوهلة الأولى ظننت الأمر يتعلق بنوع من المزاح أو «التقفيل» كما يقال، وهو ما يفعله نشطاء سوريون بكثرة حين يتناولون مسائل في غاية الجدية في إطار ساخر.
للوهلة الثانية ذهب بي الظن إلى أنه محاولة لقطع الطريق على أي نزوع استقلالي كردي في رد غير مباشر على التحركات الجارية في منطقة الجزيرة تحت عنوان «حوار كردي – كردي» بتشجيع وإشراف فرنسي – أمريكي.
أما للوهلة الثالثة فقد بدا لي الأمر، على العكس، استجابة إيجابية للتحركات المذكورة، إذا أخذنا بنظر الاعتبار نظرية عبد الله أوجالان حول «الأمة الديمقراطية» المشتقة من تنظير فوضوي/ إيكولوجي لا يأبه كثيراً بـ«الدولة» بقدر ما يعتمد على نوع من ديمقراطية كوميونية مباشرة للسكان المحليين في المدن والبلدات والقرى. بهذا المعنى ليس هناك تعارض بين مطلب استقلال الجزيرة (عن الدولة المركزية السورية) وبين سعي مجلس سوريا الديمقراطية لإقامة منطقة فيدرالية شرقي نهر الفرات تضم سكاناً متعددي الهويات والثقافات الإثنية واللغوية والدينية والمذهبية. فكلا المشروعين لا يسعى إلى إقامة دولة قومية للكرد، على ما يذهب كثير من أدبيات الهجوم على النزعة الانفصالية.
والحال أن هذا الهجوم لم يتأخر في الظهور بشأن حركة استقلال الجزيرة، مع أنها ليست كردية الطابع، لا بخطابها ولا بأسماء القائمين على إدارتها تحت وصف «مجلس التواصل» الذي يضم أشخاصاً من منابت متنوعة. فقد اعتاد السوريون على إلصاق تهمة «الانفصالية» بالكرد فقط لأنهم الجماعة الوحيدة التي لديها طموحات قومية استقلالية وتملك بعض مقوماته. لكن الهجوم على «حركة استقلال الجزيرة» كان أكثر حدةً وتضمن، لدى البعض، توجيه عبارات مهينة. من المحتمل أن مرد ذلك هو الصدمة التي شكلتها الحركة غير المتوقعة على الاطلاق في جو ثقافي مثقل بالإيديولوجيا عاجز عن التفكير بأدوات جديدة. لن أقول إنها «ثقافة بعثية» كما يفعل النشطاء الكرد غالباً، بل ثقافة إيديولوجية لا تعرف أنها كذلك. يتساوى فيها البعثي والإسلامي والشيوعي والقومي الكردي والليبرالي والديمقراطي وعامة الناس من مختلف الانتماءات الفرعية.

إن الإرادة هي العنصر الحاسم في إقامة جماعة متخيلة، وقد تكون إرادة عدد محدود جداً من الأفراد، لكنهم يعبرون عن مصالح وتطلعات مجموعة كبيرة من الناس، تبقى مهمة «المؤسسين» هي اكتشاف أو اختراع العناصر المشتركة الجامعة

لا يمكن لهذه «الثقافة الإيديولوجية» أن تفهم أن الأمة هي جماعة متخيلة قائمة أساساً على الإرادة، لا على عناصر موضوعية مزعومة. ومثل ذلك مفاهيم كالشعب والطبقة و«أمة المسلمين» و«السوريين»… إلخ. إن أي جماعة لا تقوم العلاقات بين أفرادها على المعرفة المباشرة ليست إلا جماعة متخيلة، مفهوم ذهني، إطار مجازي.
إن الإرادة هي العنصر الحاسم في إقامة جماعة متخيلة، وقد تكون إرادة عدد محدود جداً من الأفراد، لكنهم يعبرون عن مصالح وتطلعات مجموعة كبيرة من الناس، تبقى مهمة «المؤسسين» هي اكتشاف أو اختراع العناصر المشتركة الجامعة. قد تكون هذه اللغة أو الدين أو الجغرافيا أو الثروة أو العرق أو إيديولوجيا سياسية معينة أو رقصة قومية أو أسطورة ما أو مظلومية حقيقية أو متخيلة. وعلى المؤسسين أن يقنعوا الأعضاء المرشحين للجماعة بأن لهم مصلحة أكيدة في انتمائهم إليها، وخسارة مؤكدة في التنكر لها.
هذا ما فعله منشئو «وثيقة إعلان استقلال الجزيرة» بالضبط. ولا شيء يمنع، نظرياً، من قيام هذه الجماعة، وتتكفل المواثيق الدولية بحقها في تقرير مصيرها بما في ذلك الاستقلال السياسي. ولا أرى أي مفاضلة بين تبرير وجود هوية قومية عربية، أو هوية إسلامية، أو هوية وطنية سورية، أو هوية جزراوية أو غيرها من هويات محتملة. تأتي المفاضلة دائماً من عناصر مضافة كواقعية الفكرة أو القابلية للتحقيق، أو قدرتها على إقناع أعداد كبيرة من الناس (ما يكفي لقيام الجماعة أو كيانها السياسي)، في حين تتصدر الاعتبارات الأيديولوجية التي تقدم نفسها كما لو كانت حقائق علمية، لكنها ليست أكثر من حسن تسويق للفكرة.
لا تعني هذه المناقشة أنني أشجع «حركة استقلال الجزيرة» ولا تعني أيضاً أنني بصدد مواجهتها. بل أردت فقط وضع النقاش في سياق صحيح. «الوطنية السورية» الرائجة أكثر في سوق السياسة، في الوقت الحالي، ولا تنفك تظهر كل يوم تقريباً تيارات سياسية تدعو إلى هذه الهوية المفترضة وكأنها انتماء بديهي لا يحتاج إلى أي برهان، في حين أنه الانتماء الأكثر هشاشة في واقع حال سوريا والسوريين. هذه «الهوية السورية» ألا تقوم أساساً على التخلي عن هويات تتجاوزها كالقومية العربية أو القومية السورية أو القومية الكردية أو القومية الإسلامية؟ صحيح أنها تلاقي رواجاً كبيراً، وقبولاً ظاهرياً كبيراً، لكن واقع الحال أن حدوداً عميقة انحفرت، خلال سنوات الصراع، بين الجماعات الأهلية، ومن الصعوبة بمكان تخيل العودة إلى تعايش تلك الجماعات وكأن شيئاً لم يكن.
مرة أخرى، الهوية الوطنية السورية تحتاج، قبل كل شيء، إلى إقناع الجماعات بأن لها مصلحة أكيدة في انتمائها إلى وطن واحد.

الكاتب: بكر صدقي – المصدر:القدس العربي