“داعش” وتثبيت الاستبداد

من الملفت أخيراً عودة النفخ في روح تنظيم “داعش”، لتذكيرنا بأنّ بعبع “الإرهاب” ركيزة مهمة من ركائز ديمومة الاستبداد والفساد والتشظي في عالمنا العربي. كنا وما زلنا أمام استخدامات سخيفة للأمر، من ليبيا إلى سيناء المصرية إلى سورية. من ميناء اللاذقية، المُسيطر عليه من قبل “شبيحة” الأسد وعصابات طهران، سُوّق أخيراً لقدرات “داعش” الخارقة بتهريب أطنان من الحبوب المخدرة نحو إيطاليا بقيمة مليار يورو، وذلك بعد بدء سريان قانون “قيصر” الأميركي.

وإذا كانت الرواية لم تنطلِ على بعض صحافيي برلين وروما، فقد جاء التأكيد السياسي (اليميني المتطرف في روما) للرواية على الرغم من سذاجتها، ليذكّر بتاريخ براعة تقديم “نظام الممانعة العروبي” خدماته الأمنية للمخابرات “الغربية والإمبريالية”.

فحتى سنوات قليلة ماضية، ظلّت طائرات “سي آي إيه” تلقي بـ”شحنتها” البشرية إلى “ممانعي الإمبريالية”، لانتزاع اعترافات، كما جرى مع المهندس الكندي-السوري ماهر عرار، الذي سلّمته السلطات الأميركية لسورية عام 2002 وتعرّض لتعذيب لم يخطر لعتاة الفاشية، هذا عدا عن تسليم، موثق تاريخياً بعد احتلال بغداد، للعابرين من سورية إلى العراق بمسمى “مجاهدين”.

تعرف الأجهزة الأمنية الغربية، في سياق “لعبة الأمم”، أنّ قصة الإرهاب تبقى الشماعة الأفضل لديمومة القهر والتخلّف في المجتمعات العربية. وبمستوى إدراكها العميق لتركيبة نظام الفساد والنهب، كانت تعرف أن مسالخ “سورية الأسد” قبل ثلاثة عقود لم تفرق بين أعضاء “حزب العمل الشيوعي” و”الإخوان المسلمين”. وهي تعلم يقيناً أنّ “النظام الممانع”، أثناء وجوده العسكري والأمني في لبنان وبعد خروجه، لم يتوقف عن تجارة المخدرات والآثار. فمن أطلق، لمواجهة الثورة الشعبية السورية جماعة “النصرة” من مسالخه، هو نفسه من زوّد الوزير اللبناني الأسبق ميشال سماحة بمتفجرات لإشعال حرب طائفية في بلده.

وماذا يهم “الإمبريالية” والنفاق الغربي، جعجعة شاشات “الرد في الوقت والزمان المناسبين”، إذا كان تدمير الإنسان مستمرا منذ 50 سنة، وتحويل البلاد ركاماً على أنقاض بشر ومجتمع متشظ؟ ففي جعل الطائفية والمذهبية فوق الوطنية، وبتدخلات مدفوعة الثمن، يبقى الحفاظ على هياكل الاستبداد الأهم لحفظ “الأمن القومي لإسرائيل”، وباتفاق موسكو وواشنطن. فهل ثمة شك أن المهمة تتم على أكمل وجه؟

 

 

المصدر:العربي الجديد