رسالة من مواطن سوري إلى شعب العراق العظيم

مع دخول الثورة السورية عامها العاشر من المآسي والكوارث على السوريين، يتساءل السوريون: هل أخطأنا بالثورة؟ هل كان علينا البقاء صامتين والتعايش مع نظام البعث؟ هل هناك أمل بالخلاص بعد هذه السنوات الطويلة مع انعدام الأفق بالحل؟ هل كانت ضرورية التضحيات التي قدمها الشعب السوري من تهجير نصف سكان سوريا واعتقال واختفاء مئات الآلاف والضحايا؟

الجواب الحقيقي لكل هذه الأسئلة هو في العراق!

لقد عانى الشعبان، العراقي والسوري المأساة ذاتها، منذ استلام البعث السلطة في البلدين بداية سبعينيات القرن الماضي. يتشابه النظامان بكل شيء.

صدام حسين والأسد ينتميان إلى أقليات دينية في بلديهما، ولديهما حقد على كل شيء. رفعا شعارات تحرير فلسطين والقومية العربية والعلمانية للاستيلاء على السلطة، والقضاء على أي مطالب بالعدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. كلاهما، اعتبر بلده مزرعة، والشعب خدم ليس لهم الحق إلا بالعمل لديهما ووفق شروط واضحة أبرزها الولاء للسلطة وإلا تعرضوا للقتل والتهجير والحرمان.

خلال حكمهما، رفضا بلورة أي مفهوم للمواطنة، لأن المواطنة تعني انتهاء حكميهما، فانتشرت المظلومية بين كل فئات الشعبين السوري والعراقي، المظلومية الكردية والشيعية والسنية والعلمانية والعربية والمسيحية والاقتصادية.

بعد كل ما قام به النظام السوري تجاه شعبه فإن مصير الأسد ونظامه سيكون مشابها لمصير صدام ونظامه

مزق الحاكمان بلديهما اجتماعيا، ودمّرا التركيبة الاجتماعية القائمة منذ مئات السنين، لأنها تشكل تهديدا لهذا النوع من الحكم. أعادا تشكيل الاقتصاد والطبقة التجارية الممثلة لطبقة السلطة والقائمة على الفساد والمحسوبية، ودمّرا الطبقة الوسطى التي كانت سائدة، وغيّرا التركيبة السكانية في كل مكان تحت مسميات متعددة، وتعمّدا نشر الفتن وعدم الثقة بين كل مكونات الشعب، بحيث لا يمكن أن يكون هناك أي تجمع شعبي وطني ضد النظام. لم يتحمّلا الصحف والنقاد والأدباء والمثقفين، فكان الخيار الوحيد للبقاء أن تكون مثقف السلطة والمدافع عنها وتمّ القضاء على كل القيادات الاجتماعية والدينية المؤثرة على الشعب.

أهم إنجاز لهما هو سيطرة الأمن على كل مفاصل الحياة. تعمّدا تخريب البلدين اقتصاديا وأمنيا واجتماعيا بطريقة تضمن فقط سيطرتهما عليها، وأصبح صدام هو العراق، والأسد هو سوريا، وأي انهيار للقادة هو انهيار للبلد نفسه وهذا ما حدث.

استخدما شعاري “المقاومة” و”تحرير فلسطين” لاحتلال الكويت من قبل نظام العراق، ولبنان من قبل النظام السوري، واستخداما العلمانية للتهرب من أي إصلاح داخلي. كان الهدف هو القضاء على الهوية الوطنية الجامعة لمكونات البلدين.

وعندما ثار الشعب العراقي في جنوب وشمال العراق ضد صدام حسين بعد غزو الكويت، لم يكن لديه أي مانع أو رادع أخلاقي أو ديني أو سياسي لقتلهم والتنكيل بهم وتشريدهم إلى السعودية وإيران وتركيا.

وهذا ما كرره النظام السوري منذ عشر سنوات حتى اليوم، حيث تنتشر معسكرات اللاجئين في تركيا والحدود معها وفي الأردن ولبنان والعراق.

لم يكن هناك من رادع للنظامين عن استخدام الأسلحة الكيمياوية ضد شعبيهما كما حدث في حلبجة والغوطة، فالشعب بالنسبة لهما ليس إلا رعاعا، الفضل ببقائهم أحياء هو للقادة وليس لله العلي القدير، والموت هو الجواب لكل من يتجرأ على المعارضة.

المواطن السوري المهجر واللاجئ والنازح يعتب على العراق حكومة وشعبا؛ لا يفهم لماذا تدعمون النظام الذي شارك إيران بقتل مليون عراقي في حرب 8 سنوات؟

استخدم الدكتاتوران طائفتيهما للتمكن من السلطة والقضاء على الآخرين أي بقية الشعب. هما ليسا طائفيين، ولا يمثلان الطائفة. كلاهما عاش في وهم وحلم كان في الحقيقة كابوسا على الجميع، وسيحملان الطائفة أوزار كل أعمالهما، وهذا جزء من الدمار الذي خططا له في حال كانت هناك مواجهة مع السلطة، حيث تكون معادلة “عليك البقاء مع النظام لأنه الوسيلة الوحيدة لحماية وجودك الشخصي لأن الطرف الثاني لن يقبل بك”.

استفادت إيران من المظلومية الشيعية في العراق فاستقبلت العراقيين لتستخدمهم في سياستها ولتحاول السيطرة على العراق وهذا ما حدث، ووجد بعض الشيعة في إيران ما اعتقدوا أنه شيء من المواطنة والشعور بالأمان وأثبتت الأيام أنه سراب.

واستفادت تركيا من المظلومية السنّية في سوريا واستقبلت اللاجئين وستستفيد منهم لاحقا ولدى بعض السوريين نفس الشعور تجاه تركيا، أي الإحساس بالأمان والمواطنة المفقودة في بلادهم. 

وفي الطريقة عينها والغاية ذاتها، هاجر أغلب المسيحيين والأشوريين والكلدان والأيزيديين من البلدين مما أفقد البلدين أهم مكون إنساني وتاريخي وحضاري.,

وعلق الأكراد، أو من تبقى منهم، في لعبة الأمم الإقليمية والأحلام بواقع يعترف بهم ويعطيهم أمانا اجتماعيا وسياسيا يضمن بقاءهم في المدى الطويل ضمن مجتمعات لا تثق ببعضها وأحيانا تجد أن لا رابط بينها وترى الخلاص بالانفصال المباشر أو غير المباشر عن المجتمع العربي علما أنه في مرحلة ما قبل حكم البعث لم يكن هناك مشكلة كردية كهوية أو مشكلة سياسية كما هو الحال بعد البعث.

استخدم الدكتاتوران طائفتيهما للتمكن من السلطة والقضاء على الآخرين أي بقية الشعب

اليوم المواطن السوري المهجر واللاجئ والنازح يعتب على العراق حكومة وشعبا؛ لا يفهم لماذا تدعمون النظام الذي شارك إيران بقتل مليون عراقي في حرب 8 سنوات؟ لماذا تقفون ضد الشعب السوري وأنتم من قمتم ضد صدام حسين وهو نسخة عن نظام الأسد؟ وأنتم عانيتم ما نعانيه؟ لماذا تغلبون مصلحة إيران في سوريا على مصلحة العراق في سوريا؟ لماذا بعض الفصائل المسلحة العراقية تقوم بقتل السوريين داخل سوريا؟ ماذا فعلنا لكم لنقابل بهذا الجزاء؟

تعاطي الشعب السوري مع كارثة النزوح العراقي بعد الغزو يتذكرها السوريون ويتعاطفون معها وكانوا يتمنون تقديم مساعدة أكبر ولم يتوقعوا أنهم سيصبحون نازحين ولاجئين بعد بضع سنين.

هناك كثير من العتب عليكم وكثير من الأمل فيكم.

نعرف أنكم ما زلتم تتعافون وما زلتم تتلمسون طريقكم نحو الحرية والعدالة والشفافية وبناء المواطنة والاستقلال الحقيقي، ونعرف أن العقبات والتحديات أمامكم كبيرة، ولكن للعراق دورا مهما في إنقاذ الشعب السوري من محنته الآن ومساعدته لاحقا لتجنب تكرار الأخطاء في مرحلة ما بعد التحرير لإعادة الاستقلال والاستقرار في كلا البلدين وضمان مستقبل أفضل يستحقه الشعبان بعد هذه كل المآسي.

بعد كل ما قام به النظام السوري تجاه شعبه فإن مصير الأسد ونظامه سيكون مشابها لمصير صدام ونظامه. التاريخ لا يكذب؛ ولا عودة للوراء رغم عدم وضوح المستقبل والخوف منه.

 

 

 

 

الكاتب:بسام بربندي – المصدر:الحرة