أسقطت زيارة الرئيس اللبناني ميشال عون إلى موسكو الورقة الأخيرة من أيدي المطالبين بعودة النازحين السوريين من لبنان، ووضعت القضية في سياقها الواقعي: العائق الأول هو رفض النظام السوري استقبال مئات الآلاف ممن بذل جهوداً مضنية لطردهم.
الوفد اللبناني الرسمي سمع في العاصمة الروسية تراجعاً عن مضمون المبادرة التي كانت موسكو قد أعلنتها في يوليو (تموز) من العام الماضي. وفي منأى عن محاكمة السذاجة التي استقبلت بها الطبقة السياسية اللبنانية المبادرة الروسية، المصممة – من بين أهداف عدة – لتخفيف الانتقادات الدولية والأوروبية للمساندة الروسية التي قلبت «موازين القوى» في الصراع السوري، وضمنت بقاء بشار الأسد في سدة الرئاسة، فالتدخل الروسي لم يضع هندسة الوضع الداخلي السوري ضمن أولوياته التي انصبّت على إنقاذ النظام أولاً واستخدام الساحة السورية مسرحاً لتوجيه رسائل إلى الغرب عن عودة موسكو لاعباً رئيسياً على الساحة الدولية.
ما فُهم من الموقف الروسي المخيب لآمال الوفد اللبناني، أن الرئيس فلاديمير بوتين أكد ضرورة تلازم عودة النازحين مع حل سياسي في سوريا، وهو ما يتفق مع الموقف الغربي عموماً الذي كان قد اشترط إشرافاً أممياً وحلاً سياسياً للقبول بالمبادرة الروسية. طوت روسيا صفحة المبادرة بعدما حققت مصالحها الرئيسة وأمنت وجوداً طويل الأمد لها على الأراضي وفي المرافئ السورية. وتركت غلاة المطالبين بعودة النازحين السوريين من السياسيين اللبنانيين الذين لا يتورعون عن اللعب على وتر ذوبان الأقليات في بحر الأكثرية، ليواجهوا إفلاسهم بأنفسهم.
مسألتان تستحقان الالتفات في مقاربة السلطة اللبنانية قضية النازحين السوريين: الأولى أن طرح القضية على المحافل الدولية بالشكل الذي يجري به، أي تصويرها على أنها خطر وجودي على لبنان قبل أن تكون مأساة إنسانية تشمل أكثر من مليون نازح، يتجاهل حقيقة أن الحكم في بيروت في حالة تحالف ضمني مع دمشق وأنه يعرف تمام المعرفة أن النظام السوري رتب لإبعاد سكان مناطق استراتيجية تحيط بالعاصمة وبعدد من المناطق الحيوية لأمن النظام، وأنه ليس في وارد إعادتهم. ولم تمحَ بعد من الذاكرة تصريحات الأسد عن «المجتمع المتجانس» الذي أقامه في سوريا عبر طرد الملايين ممن لا يسرّه وجودهم في بلادهم. يضاف إلى ذلك أن القارئ العادي للحدث السوري يدرك أن ملف النازحين ملف إيراني وليس روسياً، بمعنى أن الطرف المهتم برسم الخريطة الداخلية للنظام ولمناطق سيطرته وقوته ونقاط ارتكازه هو «الحرس الثوري» الإيراني والأدوات التي تأتمر بأوامره، لأسباب تتعلق بالهواجس الأمنية الإيرانية وبالاستراتيجية التي وضعتها طهران لدورها في سوريا، ولا مكان لسكان غير مضموني الولاء في هذه الاستراتيجية.
المسألة الثانية تتلخص في أن سحب موسكو يدها من ملف النازحين السوريين، أظهر ضحالة الجماعة السياسية اللبنانية الحاكمة واعتقادها بقدرتها على التذاكي و«التشاطر» خارج جمهورها وأنصارها الذين يهللون لها بغض النظر عن جهالة ما تقول. وليس أدل على انفصال سياسيينا عن حقائق العالم المعاصر مثل تصريحاتهم في موسكو عن «دور روسيا في حماية مسيحيي المشرق»، وهو منطق يعود إلى القرن التاسع عشر على أقرب تقدير ولا يمتّ بصلة لاهتمامات روسيا المعاصرة.
وعليه؛ سيبقى النازحون السوريون في لبنان بانتظار الحل السياسي في بلدهم، من دون أن يكون لدى الحكومة اللبنانية أي تصور عن كيفية التعامل معهم، وبعد إنكار صبياني لحقائق العالم الذي لن يقبل بموجة هجرة جديدة للنازحين السوريين تنطلق هذه المرة من لبنان بعد موجة عامي 2014 و2015.
وليس سراً أن الاستهلاك السياسي الداخلي لقضية النازحين يشكل عنصر إغراء لسياسيين شعبويين وطائفيين من الصنف الحاكم اليوم في بيروت، لكن السعي إلى استغلال مسألة بهذا الحجم والخطورة (ناهيك بمضمونها الإنساني الذي يغيب عن أذهان سياسيي الصفقات والعمولات) أمر؛ ومواجهة حسابات دولية كبيرة تتعلق بمستقبل المنطقة وبإعادة رسم خرائطها السياسية والديموغرافية، وفي صميمها مسألة النازحين، أمر آخر لن يترك لتذاكي المتذاكين.
مهما يكن من أمر، فقد كشف فشل زيارة الوفد اللبناني إلى موسكو جانباً آخر من جوانب الأزمة العميقة التي يعاني منها هذا البلد الصغير والذي تتضافر الظروف لزيادة صعوبة الحياة فيه؛ للنازحين السوريين، واللاجئين الفلسطينيين، كما لمن يحملون بطاقة هويته.
الوفد اللبناني الرسمي سمع في العاصمة الروسية تراجعاً عن مضمون المبادرة التي كانت موسكو قد أعلنتها في يوليو (تموز) من العام الماضي. وفي منأى عن محاكمة السذاجة التي استقبلت بها الطبقة السياسية اللبنانية المبادرة الروسية، المصممة – من بين أهداف عدة – لتخفيف الانتقادات الدولية والأوروبية للمساندة الروسية التي قلبت «موازين القوى» في الصراع السوري، وضمنت بقاء بشار الأسد في سدة الرئاسة، فالتدخل الروسي لم يضع هندسة الوضع الداخلي السوري ضمن أولوياته التي انصبّت على إنقاذ النظام أولاً واستخدام الساحة السورية مسرحاً لتوجيه رسائل إلى الغرب عن عودة موسكو لاعباً رئيسياً على الساحة الدولية.
ما فُهم من الموقف الروسي المخيب لآمال الوفد اللبناني، أن الرئيس فلاديمير بوتين أكد ضرورة تلازم عودة النازحين مع حل سياسي في سوريا، وهو ما يتفق مع الموقف الغربي عموماً الذي كان قد اشترط إشرافاً أممياً وحلاً سياسياً للقبول بالمبادرة الروسية. طوت روسيا صفحة المبادرة بعدما حققت مصالحها الرئيسة وأمنت وجوداً طويل الأمد لها على الأراضي وفي المرافئ السورية. وتركت غلاة المطالبين بعودة النازحين السوريين من السياسيين اللبنانيين الذين لا يتورعون عن اللعب على وتر ذوبان الأقليات في بحر الأكثرية، ليواجهوا إفلاسهم بأنفسهم.
مسألتان تستحقان الالتفات في مقاربة السلطة اللبنانية قضية النازحين السوريين: الأولى أن طرح القضية على المحافل الدولية بالشكل الذي يجري به، أي تصويرها على أنها خطر وجودي على لبنان قبل أن تكون مأساة إنسانية تشمل أكثر من مليون نازح، يتجاهل حقيقة أن الحكم في بيروت في حالة تحالف ضمني مع دمشق وأنه يعرف تمام المعرفة أن النظام السوري رتب لإبعاد سكان مناطق استراتيجية تحيط بالعاصمة وبعدد من المناطق الحيوية لأمن النظام، وأنه ليس في وارد إعادتهم. ولم تمحَ بعد من الذاكرة تصريحات الأسد عن «المجتمع المتجانس» الذي أقامه في سوريا عبر طرد الملايين ممن لا يسرّه وجودهم في بلادهم. يضاف إلى ذلك أن القارئ العادي للحدث السوري يدرك أن ملف النازحين ملف إيراني وليس روسياً، بمعنى أن الطرف المهتم برسم الخريطة الداخلية للنظام ولمناطق سيطرته وقوته ونقاط ارتكازه هو «الحرس الثوري» الإيراني والأدوات التي تأتمر بأوامره، لأسباب تتعلق بالهواجس الأمنية الإيرانية وبالاستراتيجية التي وضعتها طهران لدورها في سوريا، ولا مكان لسكان غير مضموني الولاء في هذه الاستراتيجية.
المسألة الثانية تتلخص في أن سحب موسكو يدها من ملف النازحين السوريين، أظهر ضحالة الجماعة السياسية اللبنانية الحاكمة واعتقادها بقدرتها على التذاكي و«التشاطر» خارج جمهورها وأنصارها الذين يهللون لها بغض النظر عن جهالة ما تقول. وليس أدل على انفصال سياسيينا عن حقائق العالم المعاصر مثل تصريحاتهم في موسكو عن «دور روسيا في حماية مسيحيي المشرق»، وهو منطق يعود إلى القرن التاسع عشر على أقرب تقدير ولا يمتّ بصلة لاهتمامات روسيا المعاصرة.
وعليه؛ سيبقى النازحون السوريون في لبنان بانتظار الحل السياسي في بلدهم، من دون أن يكون لدى الحكومة اللبنانية أي تصور عن كيفية التعامل معهم، وبعد إنكار صبياني لحقائق العالم الذي لن يقبل بموجة هجرة جديدة للنازحين السوريين تنطلق هذه المرة من لبنان بعد موجة عامي 2014 و2015.
وليس سراً أن الاستهلاك السياسي الداخلي لقضية النازحين يشكل عنصر إغراء لسياسيين شعبويين وطائفيين من الصنف الحاكم اليوم في بيروت، لكن السعي إلى استغلال مسألة بهذا الحجم والخطورة (ناهيك بمضمونها الإنساني الذي يغيب عن أذهان سياسيي الصفقات والعمولات) أمر؛ ومواجهة حسابات دولية كبيرة تتعلق بمستقبل المنطقة وبإعادة رسم خرائطها السياسية والديموغرافية، وفي صميمها مسألة النازحين، أمر آخر لن يترك لتذاكي المتذاكين.
مهما يكن من أمر، فقد كشف فشل زيارة الوفد اللبناني إلى موسكو جانباً آخر من جوانب الأزمة العميقة التي يعاني منها هذا البلد الصغير والذي تتضافر الظروف لزيادة صعوبة الحياة فيه؛ للنازحين السوريين، واللاجئين الفلسطينيين، كما لمن يحملون بطاقة هويته.
حسام عيتاني
المصدر: الشرق الأوسط
الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.