عن توق “عباس” إلى حياة ما

“رحل أجملنا”. هل بدت لكم هذه الجملة مكررة إلى حدّ الابتذال؟ لديكم كل الحق. فهي تقال عادة في لحظات عاطفية خاصة، دون أن تعبّر بالضرورة عن حقيقة الراحل المعنيّ بتلك الجملة. في حالة واحدة فقط، خلال حياتي، مرّت بي تلك الجملة فقلت على الفور إنّهُ حقاً كذلك. يُجمع كل من عرف عبّاس، نعم كل من عرفه، والإطلاق هنا ليس مجازفة لغوية، على أنه كان الأجمل. كان ذلك يوم الخامس من سبتمبر/أيلول عام 2012.

تسع سنوات تمر اليوم على رحيل عباس عباس. ولمن لا يعرف، عباس كاتب ومترجم ومعارض سياسي قضى في سجون الأسد الأب، ما يقارب خمسة عشر عاماً. اعتقل في ربيع عام 1987 وخرج إلى الحريّة نهايات عام 2001. سجن عباس قبل سنوات طويلة من ثورة السوريين، وخرج من سجنه قبلها، لكنه عاش بداياتها ولم يمهله مرض السرطان أكثر، فمات ودفن في باريس التي انتقل إليها من أجل العلاج. بعد وفاته صدر كتابه “توقاً إلى الحياة.. أوراق سجين”. “عباس هو الإباء صِرْفاً” يقول عنه صديقه ورفيق سجنه أصلان عبد الكريم، في تقديمه للكتاب، ولمن يعرفون عباس فإن تلك الجملة ستبدو وكأنها التعريف الأشد كثافة للرجل.

بعد أن سادت نظرية “رولان بارت” عن موت المؤلف، التي تؤكد على ضرورة تناول النص الأدبي بمعزل عن الكاتب، لفترة ما في الغرب، ما لبثت أن تراجعت. أنا من الميّالين إلى وأد تلك النظرية، باعتبارها غير صائبة في معظم الحالات. وأرى بوجوب أن يكون الحفر النقدي في النص، وكذلك في شخصية الكاتب وسيرته، ولندع بعدها للتاريخ أن يخلد أدبه بعيداً عن سيرته إن ارتأى، ولكن ليس اليوم. فأن يرتكب المؤلف كل الأفعال غير الأخلاقية في سلوكه ومواقفه، وبعد ذلك يأتي من يقول لنا تعاملوا مع النص بغضّ النظر عن الكاتب، فأنا أعتقد بأن هذه مجرد هرطقة تبريرية. للغرابة، تعتاش نظرية بارت في الساحة الثقافية العربية على الحاجة الشديدة لها، لتبرير مخازي المثقفين والكُتاب خصوصاً في سياق مواقفهم المشينة من الشعوب ومن الأنظمة، وأحياناً بسبب انحدار أخلاقياتهم العامة.

لا يمكن النظر لكتاب توقاً إلى الحياة بمعزل عن البحث في سيرة مؤلفه، بل وحتى في أخلاقياته ووجدانه

نهايات عام 1987 سأقابل عبّاس وجهاً لوجه، في ممر قبو “فرع فلسطين”، كان مسنوداً على زميلين له، لأنه لا يستطيع المشي، بسبب تعذيبٍ استمر لشهور طويلة، كانت ساقاه متورمتين وتنزفان ولا تقويان على حمله. يومها تجاهلته وكأني لا أعرفه. يؤكد جميع رفاقه أنه تحمل كل هذا التعذيب، في تلك الأيام، دون أن يزلّ في أيٍّ من محطات التحقيق. ولهذا لا يمكن النظر لكتاب توقاً إلى الحياة بمعزل عن البحث في سيرة مؤلفه، بل وحتى في أخلاقياته ووجدانه. وسأسمح لنفسي هنا، من باب المعرفة الشخصية، أن أقول بأن عباس هو كتابه، والكتاب هو عباس عباس متمدداً على أوراقه. بل وإن كل حياته ستبدو كواحدة من تعريفات الجريمة الأسدية في عصر الأسد الأب.

قبل نحو عشرين عاماً على انفجار ثورة السوريين، وقبل صدور قرار بإلغاء محكمة أمن الدولة العليا، ليُستعاض عنها بمحكمة الإرهاب الأكثر غموضاً، رفض عباس الإجابة على كل الأسئلة التي وجهها إليه قضاة التحقيق في تلك المحكمة، مطالباً بإحالته إلى محكمة دستورية وعلنية. تالياً سيقدم عباس بيان مقاطعة محاكمته إلى المحكمة. مما جاء فيه “أمثل أمام محكمة استثنائية، تشكّل في الأصل امتداداً عضوياً للسلطة التنفيذية التي هي من وجهة نظري سلطة ديكتاتورية استثنائية لا شرعية… أعلن مقاطعتي لمحكمتكم، وأعتصم بالصمت، محتفظاً بما أعتبره حقي في حجب دفاعي عن هيئة المحكمة”.

الكتاب يحتاج إلى تعريف متفرّد، فهو خارج عن أي من التصنيفاتِ الأدبية المألوفة. هو ليس رواية ولا شعراً ولا سيرةً ذاتيةً ولا شهادة تاريخية

بالعودة إلى كتابه “توقاً إلى الحياة.. أوراق سجين” فهو في أحد وجوهِه شهادةٌ حيةٌ تَكاد تَرقى لتكونَ وثيقةَ إدانةٍ لنظام حافظ الأسد، خاصةً فيما يتعلّقُ بجرائمِه التي ارتكبها بحق السوريين في سجونه. الكتاب يضم أوراقاً إنسانيةً مكتوبةً بشفافية خاصة، عمَّقتْها سنوات السجن الطويلة لكاتب يقدّم شهادة شخصية عن تلك الفترة. شهادة سيبدو هذا النظام معها، عصيّاً على أيّ تعريف مألوف من خلال النظريات السياسية، ليغدو موقعه الطبيعيّ منتمياً إلى عوالم الجريمة المنظّمة. يكشف الكاتب خلال أوراقه وجهين متناقضين لحكاية السجنِ السوري، أولهما الجريمة الموغلة في لا إنسانيتها التي ارتكبها نظام الأسد في تلك السجون، وثانيهما، وربما دون قصد من الكاتب، ملحمة السجناء السوريين وما قدموه من تضحيات وتجارب إنسانية نبيلة في تلك السجون. فالكتاب إضافة للتجربة الشخصية، يحتوي العديد من الشهادات لآخرين ممن عايشهم عباس في السجن وسمع منهم. على الأرجح فإن الكتاب يحتاج إلى تعريف متفرّد، فهو خارج عن أي من التصنيفاتِ الأدبية المألوفة. هو ليس رواية ولا شعراً ولا سيرةً ذاتيةً ولا شهادة تاريخية. ومع ذلك يمكن القول: إنه جميعها معاً. إضافة إلى أنه يعرَف المجرم بدلالة ضحاياه. وهم من النخب السجينة.

رحل عباس الذي كان مليئاً بالحياة وبالتوق إلى عيشها، لكن الحكاية لم تنتهِ بعد، وكان قد ذكر في كتابه “لا كتب تفي ولا مدوّنات. فالخسائر على فداحتها، لم تبلغ نهاياتها كي تُحصى”، وقبل خمسة أيام من رحيله النهائي سيكتب من المشفى “ابنتي تحنو على مهدي، ولا تقوى على غير الترجي والدعاء… ما عليكم، هدّئوا إن أمكن الأوجاعَ بالملح المندّى…”. نعم اليوم سأعيدها “رحل أجملنا”.

 الكاتب : مالك داغستاني – المصدر: تلفزيون سوريا