في انتظار هاوية «الجملكية» الأسدية

صدق ترامب بوعده بعد مماطلة بتطبيق قانون قيصر على نظام الأسد. الصور المسربة لأحد عشر ألف قتيل تحت التعذيب قطعت عائلات الضحايا، التي كانت تتعلق بآخر خيط رفيع ببقاء أبنائها على قيد الحياة، الأمل، بعد أن تعرفوا على أبنائهم وقد شوهت وجوههم وجثثهم بوحشية قل نظيرها. حتى أن أحد الآباء أصيب بسكتة قلبية لمجرد رؤية صورة ابنه بين الصور المريعة.

درب الآلام

لن ينسى السوريون على مدى التاريخ كل الآلام التي سببتها لهم الحقبة الأسدية، هذه الحقبة التي دمرت وطنهم وجعلتهم لاجئين في بلاد الأعراب والأغراب، وقتلت فلذات أكبادهم، فهل يستحيل دم الأبناء إلى ماء..
اليوم العالم بأكمله بانتظار انعكاسات تطبيق قانون قيصر على النظام السوري الذي واجهه بمقاومة قبل الرمق الأخير. حتى حلفاؤه وخاصة الروس باتوا يعون أن هذا النظام أصبح عبئا أكثر منه حليفا.
ولا تتوقف التحركات الروسية لإيجاد بديل عن الأسد، وليس النظام ككل كمحاولة للترضية بأن تغييرا هاما قد حصل: « هو وضع نهاية للجملكية الأسدية» وبناء سوريا جديدة على أساس دستور جديد بصياغة روسية.
إن أحدا لم يكن يتوقع أن الرائد حافظ الأسد الذي تم ترفيعه إلى رتبة لواء من قبل رفيق دربه وابن طائفته صلاح جديد، بعد انقلاب 8 آذار- مارس المشؤوم، وتعيينه وزيرا للدفاع، أنه سينقلب عليه ويحكم عليه بالسجن مدى الحياة ليموت في سجنه، وينصب نفسه رئيسا لـ «الجمهورية» السورية. لكن في واقع الأمر كان الرائد الناكر لجميل رفيق دربه، والمنهزم في حرب النكسة بقرار منه (بلاغ رقم 66 بالانسحاب الطوعي من الجولان دون قتال )، يخطط لبناء «الجملكية الأسدية» بحماية دولية، وهي جمهورية وراثية تقف ما بين الجمهورية، والملكية، فلا هي هذه، ولا هي تلك. فطرح شعار «الأسد إلى الأبد» وأعتقد السوريون أن هذا يعني «رئاسة مدى الحياة» كما جرت العادة لدى معظم الزعامات العربية.
ولم تخطر لهم ببال أن وراء أكمة الشعار هو بناء «جملكية أسروية» تعلم مبادئها من مؤسس «الجملكية الكيمية الكورية الشمالية» لكن خطة الرائد الذي صار رئيسا، كادت أن تفشل في العام 1984 بعد أن ألم به المرض، عندما حاول أقرب المقربين إليه، أخوه رفعت، الرقيب السابق في الجمارك، والذي استلم قيادة سرايا الدفاع (ومهندس مجزرة تدمر ومجزرة حماة) أن ينقلب عليه ويحتل منصبه، ( حكمت عليه المحكمة الفرنسية مؤخرا بالسجن أربع سنوات ومصادرة أملاكه).
وقد وجد الرائد حافظ الأسد بعد خيانة أخيه له، في نجله باسل الوريث الأول «للجملكية الأسدية» فبات باسل هو الفارس، المغوار، الألمعي.. في عملية تلميع صورته كوريث المستقبل.
لكن حسابات مؤسس الجملكية لم تطابق حسابات القدر، إذ غيب الموت الوريث في حادث سير على طريق مطار دمشق، ونال «الشهادة» فبات في أدبيات الإعلام الأسدي: «الشهيد الفارس». وكشفت صحيفة لو كانار أونشينيه الفرنسية الشهيرة بعد « استشهاده «أنه أودع في البنوك الفرنسية مبلغ ستة مليارات دولار باسمه ولم يترك لها وريثا.

الوريث الثاني

بعد هذا الحادث غير المتوقع تم استدعاء الوريث الثاني على عجل من بريطانيا حيث يستكمل دراسة طب العيون لينخرط في دورة عسكرية تعطيه رتبة عسكرية تضاهي رتب قادة الجيش السوري، كيف لا وهو سيكون بطبيعة الحال قائدا للقوات المسلحة السورية حسب الدستور الذي تم تعديله بزمن قياسي (نصف ساعة) ليتطابق وعمر الدكتور الذي لم يتجاوز الرابعة والثلاثين من العمر (حسب الدستور السابق عمر الرئيس يجب ان يتم أربعين سنة).
استلم الوريث الثاني الحكم بعد وفاة المؤسس في السابع عشر من تموز /يوليو من العام 2000 واستبشر الناس بالدكتور بشار خيرا، بعد المجازر التي ارتكبها أبوه في سجن تدمر، وحماة، وحلب، وسواها، وتحويل النظام إلى نظام مخابراتي طائفي فاسد، بسياسته القائمة على الاعتقالات، والاغتيالات السياسية وخاصة في لبنان التي دخلها في العام 1976 لينهي وجود المقاومة الفلسطينية فيه بعد أن احتلت إسرائيل بيروت أول عاصمة عربية، واستخدامه كورقة في يده يساوم فيها، فتحول لبنان إلى مزرعة، أيضا، للفساد، والنهب، وكم الأفواه، والتمهيد لحكم الميليشيات الطائفية (حزب الله، أمل) بدعم مالي ولوجستي إيراني وبلباس براق بعنوان « المقاومة والممانعة».
في عهد الوريث ساءت الأمور أكثر على جميع المستويات. بدأت بحركة ربيع دمشق التي قوبلت بالقمع والاعتقالات، وهي الإرهاصة الأولى للثورة السورية في العام 2011. في العام 2005 طلب مجلس الأمن جلاء القوات السورية من لبنان حسب القرار 1559، تبعه حملة اغتيالات بدأت بالرئيس رفيق الحريري، ثم باغتيالات طالت كل من له علاقة بها (غازي كنعان، رستم غزالي وسواهما). وجاءت الثورة لتهز أركان «الجملكية»، التي كادت أن تسقط لولا التدخل الإيراني الروسي فبات الوريث رهينة بينهما، وفقد السيطرة على جزء كبير من سوريا ( مناطق سيطرة القوى الكردية المدعومة امريكيا)، ومنطقة إدلب التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة بدعم تركي، والمناطق التي بنت عليها روسيا قواعدها البرية والبحرية، وكذلك الأمر بالنسبة لإيران، وهوت الليرة السورية مقابل الدولار إلى مستويات فلكية، وتصدعت العائلة الأسدية بعد الصراعات المتعددة بين أبناء الأعمام والأخوال… وجاء قانون قيصر ليزيد في الطين بلة ليضع الوريث وعقيلته على رأس قائمة المعاقبين ولم يعد بالانتظار سوى الاحتـضار.

الكاتب: رياض معسعس – المصدر: القدس العربي