المرصد السوري لحقوق الانسان

كم هي مأساة أن يعيش المواطن السوري على 15 دولارا في الشهر !…

المرصد السوري لحقوق الإنسان
منذ سنوات تصدّرت سورية قائمة الدول الأكثر فقرًا في العالم، بنسبة بلغت 82.5%، حيث لم يتجاوز راتب الموظف 20 دولارا، فيما يتقاضى العامل البسيط 15 دولارا، وفق إحصائيات الأمم المتحدة التي تشير إلى أن تسعة ملايين و300 ألف شخص في سورية يفتقرون إلى الغذاء الكافي، وبيّنت أن عدد من يفتقر إلى المواد الغذائية الأساسية ارتفع بواقع مليون و400 ألف شخص خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي.

وكان الخبير الاقتصادي، الدكتور مهيب بن صالحة،ٌد أرجع- في حديث سابق مع المرصد السوري لحقوق الإنسان- زيادة نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي في البلد حيث تستحوذ قلة قليلة على 80% من الناتج المحلي الإجمالي وتهيمن على القطاعات الاقتصادية الرئيسة، علاوة على الفساد والاحتكار وممارسة شتى أشكال الاستبداد السياسي من إقصاء وإلغاء ومصادرة الحريات الفردية والعامة وإضعاف الحياة السياسية وتهميش التنظيمات الحزبية والنقابية والمجتمعية، والسيطرة المطلقة على وسائل الإعلام والأجهزة الرقابية.

ويمكن الإشارة باختصار شديد إلى هيمنة منظومة الفساد السياسي والإداري والمالي على جميع مفاصل الدولة ومؤسساتها الاقتصادية.

وكان خبراء الأمم المتحدة قد أكدوا أن المواطن السوري لم يعد قادرا على توفير الضروريات وعلى تعليم أبنائه مما دفع إلى حدوث ازدياد في نسب الأمية منذ 2011 إلى اليوم.. كما لم يعد المواطن قادرا على توفير حتى المياه الصالحة للشراب في واقع تغوّل مافيا وتجّار الحروب الذين “يتكرّشون” من مأّساة السوريين وجوعهم .

أن تعيش عائلة سورية على خمسين ألف ليرة سورية أي ما يعادل 15 دولارا خاصة مع تواصل انهيار الليرة بشكل غير مسبوق، في ظل إجراءات قانون قيصر للعقوبات التي تضرّر منها السوري الكادح والبسيط، لا شيء يعادل مجرّد تخيّل هذه المأساة!

ويقول المواطن أيمن-م* وهو أب لثلاثة أطفال في حديث مع المرصد، إن راتبه أكثر من متدنٍّ ولا يكفي حتى لشراء أساسيات حياته وعائلته اليومية لمدة ثلاثة أيام ،مشدّدا على أنه قد استغنى عن كثير المتطلبات المتعلقة بتوفير القوت العادي، معبرا في الوقت ذاته عن مدى حزنه وألمه بسبب انقطاع أبنائه عن الدراسة منذ سنتين نتيجة ضعف الحال .

من جهتها، تؤكد س-خ- وهي أم لطفلتين في حديث مع المرصد، أن الوضع المعيشي يزداد انهيارا خاصة بعد ارتفاع أسعار أغلب المواد الغذائية حيث إن الخبز سيباع وفق بطاقات ذكية ، مستغربة من هذه السياسات التي تهدف إلى مزيد تجويع السوري.

وتعلّق الدكتورة سميرة مبيض، عضو اللجنة الدستورية في حديث للمرصد، على سوء الأوضاع التي يعانيها السوري من ضيق العيش والتغوّل على رزقه وحقوقه، قائلة إن هذا الوضع يفضح زيف ادعاءات كافة قوى الأمر الواقع المسيطرة في سورية ويبرهن على فشل أي منها في ما تسوقه من بروباغندا أو في تحقيق الاستقرار بمناطق وجودها.

وأفادت مبيض بأن المدنيين اليوم يعيشون تحت وطأة اقتصاد مافيوزي يديره أمراء الحرب من كافة الجهات في حين تنهار القدرات الشرائية للمواطنين وتعجز إمكانياتهم عن تأمين أبسط الأساسيات الصحية والتعليمية والغذائية.

وأضافت أن”أي تغيير مأمول في هذا الواقع الكارثي للمدنيين يتطلب تنفيذ الانتقال السياسي بكافة بنوده للانتهاء من هذه المنظومة التي استنفدت موارد سورية وإمكانياتها الطبيعية والبشرية لعقود طويلة دون أن تؤسس خلالها لتنمية مستدامة أو لأي ركائزِ تطورٍ وتقدم، وقد يكون ذلك دافعاً مشتركاً لتجميع السوريين على مسار واحد يمنع إعادة تدوير النظام بكافة وجوهه وينقذ مستقبل سورية وأهلها”.

ووفق سميرة مبيض ،لا يمكن لمثل هذه الموارد الضئيلة أن تؤمّن أدنى احتياجات الإنسان في ظلّ الإرتفاع الجنوني للأسعار، ومن يطالب السوريين بالقبول بهذه الظروف يحكم عليهم بالموت البطيء ويحرم الأطفال السوريين من غذاء وطبابة سليمين يسمحان بنمو متوازن وصحي لهم.. هذه الأوضاع اللاّنسانية تتطلب توحيد جهودنا لإنهاء مسبباتها ونتائجها، فسوريا تستحق الحياة.

بدوره يعتبر محمود حمزة، السياسي السوري المعارض، في حديث مع المرصد السوري، أن الأزمة الإنسانية في سورية هي انعكاس للأزمة الاقتصادية والسياسية التي تسبب فيها نظام الأسد الذي أهدر أموال الدولة على الحرب وقتل السوريين وكذلك بسبب الفساد الكبير في السلطة.

ويعتبر أنه “يمكن حل المشاكل المعيشية بدون تغيير سياسي في سورية وفق قرار مجلس الأمن 2254”..

أما زكي الدروبي،عضو المكتب السياسي في حزب اليسار الديمقراطي السوري، فيقول في حديث مع المرصد ، “إن الفقر في سورية، أو سياسة التفقير الممنهج، لا تعتبر وليدة هذه الأيام، بل إن المأساة قد بدأت ملامحها في سورية منذ أن تسلم الديكتاتور حافظ الأسد زمام الحكم بانقلابه العسكري المسمّى زوراً “الحركة التصحيحية”، وذلك بسبب سياسة الفساد والمحسوبية التي عمّمها الأسد الأب في جميع مفاصل المجتمع السوري، معتقدا أن الجميع بات يعرف قصة انهيار سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي في ثمانينات القرن الماضي عندما سرق رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد كافة احتياطي الذهب واحتياطي العملات الأجنبية من خزينة البنك المركزي ثمناً لخروجه من سورية بعد محاولته الانقلاب على أخيه، وقتها ارتفع سعر الدولار الأمريكي من /4,25/ ليرة سورية ليلامس سعر الدولار الأمريكي الواحد بين ليلة وضحاها حدود /35/ ليرة سورية، وبعدها بدأ الانهيار المتسارع لسعر صرف الليرة السورية ليصل إلى حدود خمسين ليرة أمام عجز الحكومات المتتالية عن إيقاف هذا الانهيار نتيجة استشراء الفساد.

وأفاد الدروبي بأنه في دولة مستهلكة أكثر من منتجة وميزانها التجاري بالقيمة السالبة، فإن انهيار سعر الليرة السورية سيؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير مع ثبات الدخل مما يؤدي إلى خروج قسم كبير من المجتمع السوري من الطبقة المتوسطة ليصبح في جداول الطبقة الفقيرة، وما مقولة الاكتفاء الغذائي الذاتي الذي كان نظام الأسد الأب يروجها سوى كذبة كبيرة.. صحيح أن الإنتاج الزراعي كان يلبي الاحتياجات المحلية، إلا أن كافة مستلزمات هذا الإنتاج من أسمدة ومبيدات وبذور كانت كلها مستوردة، وهذا طبعاً يطبق على القطاع الصناعي وباقي القطاعات.

وذكّر القيادي في حزب اليسار بأنه في عام 2000 عندما توفي حافظ الأسد وتولى وريثة بشار الأسد الحكم، جاء هذا الوريث بنظريات اقتصادية جديدة تعتمد على الليبرالية الإقتصادية ولكن كعنوان فقط لأن الليبرالية الاقتصادية لا تكون إلا بالقضاء على الفساد. وفي عام 2005 وفي المؤتمر القطري لحزب البعث الحاكم اتخذ قراراً بالإنتقال لإقتصاد السوق وتم تجميل الكلمة بإضافة الإجتماعي، وقد اتخذ هذا القرار دون النظر لأي عامل آخر يتطلبه اقتصاد السوق مثل القضاء على الفساد والشفافية والنزاهة، فبدأت عمليات النهب التي بدأت في زمن حافظ الأسد تزداد بطريقة كبيرة جدا وبدأت سياسة بيع القطاع العام من مؤسسات ومصانع، ونتيجة ذلك زاد معدل الفقر ليلامس حدود غير مسبوقة في سورية، وفي دراسة تم إجراؤها في عام 2008 شارك بها عضو المكتب السياسي لحزبنا ظهرت النتائج كارثية، حيث بلغت نسبة الفقر المدقع نسبة 35% من عموم الشعب السوري (الفقر المدقع حسب تعريف المنظمات الدولية هو الدخل الذي يقل عن دولار أمريكي واحد في اليوم)، وقد تركز هذا الفقر حسب الدراسة في مناطق شرق حلب والجزيرة السورية والتي تعتبر خزان سورية الغذائي، إضافة لامتلاكها معظم ثروات سوريا ولا سيما النفط.

وأكد زكي الدروبي انه بعد انفجار الثورة السورية التي وصفها بالعظيمة في عام 2011 – والتي شدد على ان انطلاقها لم يكن بسبب الفقر أو الجوع بل بسبب الكرامة مع عدم إهمال الفقر والجوع كعوامل مساعدة – واعتماد نظام بشار على الحل الأمني والعسكري أدى إلى زيادة رقعة الفقر بسبب استنزاف القطع الأجنبي من خزينة المصرف المركزي بسبب تمويل الآلة العسكرية للنظام حيث يقدر هذا الاستنزاف من 21 مليار دولار أمريكي إلى أقل من 700 مليون دولار، وآخر التقوقعات فراغ الخزينة المركزية من القطع الأجنبي، مردفا، ” يؤكد حزبنا حزب اليسار الديمقراطي السوري سواء من خلال كوادره الحزبية أو من خلال أصدقاء الحزب من الاقتصاديين المختصين، بأن العقوبات الأوربية أو الأمريكية ليست هي الأسباب الرئيسية في حالة الفقر التي يعيشها المواطن السوري، بل سياسات نظام بشار الأسد التي حول كافة إيرادات الدولة لخدمة آلته العسكرية التي يستخدمها لقمع الشعب السوري وقمع ثورته، كما يؤكد الحزب بأن الأصوات التي ترتفع الآن وتنادي برفع العقوبات الإقتصادية عن نظام بشار الأسد المجرم قبل تطبيق القرار الأممي /2254/ القاضي بتشكيل هيئة حكم إنتقالية كاملة الصلاحيات لا وجود لبشار الأسد في أي مرحلة منها بحجة تأمين لقمة عيش المواطن السوري، ما هي سوى أصوات شريكة بالجريمة لأنها تريد إعادة تعويم المجرم بشار الأسد وتقديمه زوراً كحاكم مطلق لسورية على رغم أنف السوريين الذين أسقطوا شرعيته منذ أن تلطخت أيادي هذا النظام المجرم بدماء الشعب السوري الطاهرة”.

وبخصوص سؤال المرصد حول كيفية تأمين المواطن السوري القابع تحت سلطة الأمر الواقع سلطة بشار الأسد لقمة عيشه، تحدّث محدثنا عن نقطتين أساسيتين: الأولى بأن نظام المجرم بشار الأسد لم يهتم يوماً بالشعب السوري وسبل عيشه ليهتم بهذه الأيام، والنقطة الثانية بأن الشعب السوري شعب عظيم ما أن خرج من نير الاستبداد بعد عمليات التهجير التي مورست عليه إلا أنه أثبت قدراته الرهيبة ونحن نرى اليوم النجاحات الباهرة التي حققها السوريين سواء في مصر التي حولوا أحياء كاملة منها لمشاريع استثمارية سواء صغيرة أو متوسطة إضافة لرجال الأعمال الذين أعادوا إحياء المناطق الصناعية في مصر والأردن وتركيا كل هؤلاء إضافة للسوريين الذين استطاعوا الوصول إلى أوربا والذين أيضاً تجاوزوا عائق اللغة وبدأ يدخون في العملية الإنتاجية ضمن المجتمعات الأوربية جميع هؤلاء يساهمون من معيشة أهاليهم الذين ما زالوا تحت سلطة المجرم بشار الأسد، حيث تقدر الإحصائيات المبالغ التي يرسلها هؤلاء المهجرين بقيم أربعة مليار دولار شهرياً ويحاول نظام المجرم بشار الأسد السيطرة عليهم وفي المقابل يحاول الناس التهرب من سيطرته على تلك التحويلات.

فلم يعد يخفى على أحد أن الوضع الاقتصادي في سورية بات كارثيا للغاية خلال سنوات الحرب التي تشنها قوى في الداخل والخارج، في إنتظار حدوث معجزة الحّل السياسي الذي قد ينهي معاناة السوريين.

لتبقى على اطلاع باخر الاخبار يرجى تفعيل الاشعارات

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول