مستقبل مجتمعاتنا في المواجهة بين تياري الأصالة والمعاصرة

لقد ظل الفكر العربي المعاصر منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم ، هدفًا لجدل ،أو بصورةاوضح ، لصراع الثنائيات ونعني بذلك موقف هذا الفكر من مختلف القضايا التي تواجه مجتمعاتنافي تطلعها نحو تجاوز واقع التخلف والاستبداد والتبعية وكسب رهان التقدم والحداثة ومواكبةمسار العصر . وفي مقدمة تلك الثنائيات التي لعبت دور الاشكاليات كما هو معروف : هل الأسبقيةهي للخطوات الوحدوية بين الأقطار العربية أم لمهام التنمية والتحرر وبناء أنظمة تقدمية تجسد إرادةشعوبها في نطاق كل بلد عربي . وكذلك أيضا هل الوحدة بين الأقطار العربية وخاصة على صعيددول المشرق هي المهمة الأسبق أم ان خوض معركة تحرير فلسطين ينبغي ان تحتل الأولوية بالنسبةلشعوب هذه الأمة. ومن تلك الثنائيات أيضا مسألة شغلت كل الأنظمة الوطنية التقدمية على امتدادنصف القرن الماضي سواء في مصر وسورية والعراق والجزائر واليمن الديمقراطية ، تلك الانظمةالتي لم تعد قائمة الآن ، وهي هل ان الأسبقية في سياسات تلك الأنظمة ينبغي أن تتركز أولا علىهدف التنمية الشاملة لمختلف قطاعات المجتمع أم إعطاء الأولوية لإجراءات التأميم الشاملة لمختلفالمؤسسات الصناعية والحرفية وعدم إعطاء القطاع الزراعي الاهتمام اللازم بعد اجراءات توزيعالأرض على الفلاحين المستحقين .وكذلك هل الاهتمام الرئيسي ينبغي ان يتوجه إلى ما سميبالديمقراطية الاجتماعية بديلًا عن الديمقراطية الليبرالية التي لا تتوافق مع ظروف الواقع الموضوعيلمجتمعاتنا !!!

غير ان في مقدمة تلك الإشكاليات التي كانت ، كما يتفق في ذلك الكثيرون ، والتي ما زالت تمثلعقبة كأداء في مسار تحرر ونهضة مجتمعاتنا هي الموقف من التراث وكيفية التعامل معه في ضوءتحديات ومهمات الحاضر والمستقبل . تلك المسألة التي يجري التعريف بها بالموقف من الأصالةوالمعاصرة . اذ لا شك ان السبب الرئيسي للأزمة الشاملة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية فيعلاقتها مع الحداثة اي مع العصر يتمثل في طبيعة الوعي الذي نتسلح به وكيفية تعاطيه مع الدين ،اي كيف يمارس الدين، أي دين ، وهو ما يصطلح على تعريفه بالتدين .

إن المجتمعات الحداثية المتطورة ،خلافًا لما هو الواقع في المجتمعات المتخلفه ،تمارس أديانها بطريقةإيجابية متحضرة . فجوهر الأزمة إذن يتمثل في الكيفية التي يطبق فيها الناس دينهم في حياتهمالاجتماعية والثقافية والاقتصادية وبالتالي في علاقتهم بالاخر ، سواء المحلي ام العالمي . فالعقلانيةفي العصر الحديث تقوم على ركائز المعرفة الثلاث التي كانت ثمرة مرحلة التنوير وهي : الإيمانبالتطور الدائم ، والشك ، وحب الاستطلاع . بينما يرى أساطين الفكر السلفي في بلادنا انالإسلام كشرع صالح لكل زمان ومكان . وأن الجواب لكل مسألة موجود في النصوص وان لا حاجةللعقل والتجريب والشك والعلم . فالدين كما يطبق في المجتمعات المتخلفة ، وليس الدين بحد ذاته ،يتنكر في معظم الأحوال لكل تطور يحتمه مسار توالي حقب التاريخ الانساني.

إن الدين كما يمارس اليوم من قبل معظم المنظمات والاتجاهات الأصولية في بلادنا يتسم بنزعةالتمركز حول الذات ومنهج التبرير الذاتي والشعور الدائم بتفوق الذات و هذا ما يقود إلى النظر الىالاخرين بدونية : فهم متطورون علميًا وتكنولوجيا ولكننا نحن أغنى منهم روحيًا.وبالتالي ونتيجة لهذاالحكم الأخلاقي المستمد من فهمنا المشوه للدين وبالتالي لواقعنا : نستر عيوبنا ونخفف من حدةازماتنا وفي الوقت نفسه نضخم عيوب الآخرين. هكذا وكما يرى عالم الاجتماع الفرنسي إدغارموران : ان عدم فهم الذات هو السبب الرئيسي لعدم فهم الاخر . يرى السلفيون والأصوليونبمختلف تياراتهم الدعويةوالجهادية ،وهو بلاشك أخطر مظاهر الازمة في الموقف من الدين ،أنالمعنى الذي تحمله النصوص الدينية قد أعطي منذ البدء ولمرة واحدة ،فهو لا يستنتج من جديد أيبما يتلاءم مع الواقع . فالمعنى الذي تقدمه النصوص الدينية والأحاديث كامل ونهائي فلا يعترفهؤلاء بأن المعنى مؤقت حسب كل مرحلة زمنية وينبغي ان يؤول في كل مرحلة وبيئة محددة حسبما تدعو اليه الرسالة الحقة للدين الذي جاء أساسا ليكون في خدمة وتطور الإنسان .نتيجة ذلك كلهكان موقف معظم الجماعات الاصولية والسلفية في مجتمعاتنا خدمة الأنظمة القائمة ومواجهة كلحركة جادة تهدف إلى الإصلاح الديني واضطلاع الدين بدوره الاساسي في ترقية القيم الأخلاقيةوالوطنية والإنسانية ٠

يرى كل من سمير أمين ومحمد أركون وآخرون ان في مقدمة الاسباب التي تفسر واقع الوعي عندالكثير من المنظمات والحركات السياسية والمدنية العربية هو التعاطي الوجداني الايديولوجي معالتراث بدل التعاطي المعرفي التاريخي . ويضيف إلى ذلك سمير أمين القول : لقد ظل التحدث عنالتراث والمعاصرة في غالب الاحيان مجردًا ، كأن التراث كل لايقبل الاختيار او التشطير ،أي ينبغي تبنيه بجماعه أو رفضه دون خيار . ويضيف : لا ليس هذا هو موقفنا على الإطلاق بل إننا نرىأهمية الأخذ بما يكون في تراثنا ذا طابع تقدمي انساني مثل ابن رشد وابن عربي وابن خلدونوضرورة تطوير ذلك كي يلائم ظروف عصرنا ، بل وها هنا تتمثل المهمة المعرفية التاريخية في تتبعمراحل تطور تلك البدايات والأفكار في مسار يخص تاريخنا بالذات وتاريخ الأمم والحضاراتالأخرى المتعاقبة ، وبنفس الدرجة من الأهمية والإرادة الواعية علينا ان نرفض كل ما نرى انه ذوطابع رجعي ……لانه يشكل كوابح وأغلال في طريق تقدمنا الفكري والاجتماعي مثل افكارودعوات الغزالي و ابن تيمية وابن القيم الجوزية .

أما المفكر المغربي عبدالله العروي ، الذي يعرف بانه داعية المنهجية التاريخانية فيرى أن الطريقالى الحداثة والمعاصرة رهين بتجاوز العقل التراثي أسوة بالشعوب الأخرى التي قطعت أشواطًاكبيرة في مضمارالحداثة والتقدم . ويضيف انه لا بد من القطع مع التفكير التراثي والسير فيطريق :(ما ليس منه بد ) حسب عبارة امبراطور اليابان بعد هزيمة 1945 . ويتابع القول : لستأنكر التقليد والتراث بوصفه حدثًا ، فأنا أدرسه كظاهرة ولكني أنكره كقيمة لأن مسيرة التطور قدتجاوزت واسدلت الستار حتى على الجوانب الإيجابية في التراث . ويرى العروي ان بعضالمحاولات الاصلاحية التي جاءت نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين قد فشلت لأنها لمتتزود بالوعي العقلاني الحداثي . وفي هذا السياق يرى مثلًا أن مفارقة الشيخ محمد عبده هيمفارقة جميع التراثيين التي تكمن بدوام الاستنجاد بالعقل المطلق مما أدى الى العجز عن التعبيروالتطور الحاصلين في فكر الانسان وفي واقع كل مجتمع من المجتمعات . فقد توقف عبده عند لحظةظهور الإسلام مع ان الزمن لم يتوقف وبذلك بقيت تصوراته الفكرية ومقترحاته الاصلاحية ،هووالذين تابعوا نهجه مثل رشيد رضا واخرون ونخص بذلك الاحزاب والجماعات الاسلامية ، وفيةلمرجعيتها أي لنظام الفكر الذي حكم الذهنية الكلامية التقليدية . إن دعاة الأصالة من السلفيينيركزون كل همهم على السعي لتحقيق المثل الأعلى بالنسبة لهم لكنه غير موجود الان في الواقع وفيالأنظمة التي تسمي نفسها اسلامية ، كما انه غير قابل للتحقيق أساسًا. وإذا كان ما هو مطلوبفهم مسألة الأصالة فهمًا عصريًا متجددًا ، فلا بد ان تستبدل بمفهوم آخر هو مفهوم الخصوصيةالتي تعبر عن نسج ولحمة الثقافة الحية والمتجددة بالنسبة لأي مجتمع او امة وذلك في اطارالحضارة الإنسانية الواحدة .

هكذا ظل الفكر السياسي العربي طوال القرن العشرين في مرمى مختلف التحديات التي فعلتفعلها في تحديد بنية وطبيعة هذا الفكر ، وإعاقته في أن يجسد وعيًا تحرريًا مؤهلًا لبناء المستقبلالمنشود ، فقد ظل قاصرًا عن الاضطلاع بهذا الدور ومشدودا إلى الماضي وإلى التقليد بدافعالحرص والتمسك بالأصالة. ومما يؤسف له ان بوادر الفكر الحداثي التي حملتها كوكبة من رموزالنهضة والتنوير في القرن الماضي أمثال فرح أنطون وشبلي الشميل وطه حسين وعلي عبد الرازقوعبد الرحمن الشهبندر وساطع الحصري وعبدالله العلايلي وغيرهم ٠٠٠٠٠وفي غياب تيار ليبراليعلماني مؤهل ، وحتى بعد تخلص البلدان العربية من السيطرة الاستعمارية المباشرة ، لم تنجح فيبناء أنظمة حكم ديمقراطية في مستوى العصر . والإخفاق في انجاز هذه المهمة التاريخي ،كان ولايزال من وجهة نظرنا ، العامل الأساس في ان مجتمعاتنا العربية عادت أشواطًا إلى الوراء ،إلىالواقع الراهن ، في ظل أنظمة الاستبداد والرجعية والتخلف والهوانه.

الكاتب: حبيب حداد