كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن قرب الوصول إلى تسوية سياسية مقبولة من الأطراف المتصارعة على الساحة السورية. وتمّ في هذا السياق تعويل آمال كبيرة على الجهود التي بذلها المبعوث العربي – الأممي المشترك الأخضر الإبراهيمي. ثم توجّهت الأنظار بعد ذلك إلى “مبادرة حل” الرئيس السوري بشّار الأسد في خطابه الطويل الأحد الماضي. والبعض يراهن اليوم أيضاً على الإجتماع الروسي – الأميركي المشترك مع الأخضر الإبراهيمي، الذي كشف عنه الرئيس الحالي لدورة مجلس الأمن الدولي مسعود خان، لإيجاد حلّ. لكن الرهان على تسوية في سوريا في المدى المنظور هو رهان في غير مكانه، لأنّ الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، لن تشهد سوى المزيد من المعارك والعنف. وهذه المرّة في ظلّ محاولات “كسر عضم” متبادلة، وذلك لأسباب عدّة، أبرزها:
أولاً: النظام السوري مصمّم على مواصلة العمليّات العسكرية، لأنّ وقفها لن يتم قبل قيام الدول التي تموّل المسلّحين المعارضين وتأويهم وتسلّحهم بقطع هذا التمويل ووقف هذا الدعم، وتوقّف “العمليات الإرهابيّة” كما قال الرئيس السوري بنفسه في خطابه الطويل. فبعد ذلك، فقط بعد ذلك، وفي مرحلة ثانية يحين دور الميثاق الوطني، والدستور الجديد، والإستفتاء الشعبي عليه، وإنتخاب برلمان جديد، ومؤتمر عام للمصالحة الوطنيّة، وعفو عام. وبالتالي كل هذه الخطوات، هي بعد توقّف العمليات العسكرية في سوريا، كما أكّد الرئيس الأسد بقوله: “نحن لن نتوقّف عن مواجهة الإرهاب طالما هناك إرهابي واحد في سوريا”، موضحاً أنّ مبادرته للحلّ ليست موجّهة للمعارضة خارج سوريا. وممّا تقدّم يبدو واضحاً أنّ رؤية الرئيس الأسد بعيدة تماماً عن طروحات المعارضة السورية المسلّحة، التي يرفض الرئيس الأسد الإعتراف بها أساساً، ويعتبرها حفنة من الدمى، ومن السوريّين المدعومين من كثير من الإرهابيّين والتكفيريّين من خارج سوريا.
ثانياً: البند الأبرز الذي تطالب به المعارضة في سوريا، يتمثّل في إستقالة الرئيس الأسد الفورية. وهذا البند لم يتطرّق إليه الرئيس السوري لا من قريب ولا من بعيد في خطابه. وهو غير وارد في أي بند من بنود “أفكاره” للحل، لا في المرحلة الأولى ولا الثانية ولا في أي مرحلة، مع التذكير أنّ المعارضة السورية كانت شدّدت على أنّ أقصى ما يمكن أن تقبل به، تسهيلاً لأي تسوية محتملة، هو مغادرة الرئيس الأسد البلاد من دون محاكمة!
رابعاً: الدول الإقليمية المعنيّة بالصراع في سوريا، غارقة اليوم في التحضيرات العسكرية على مختلف الصعد، ليس بسبب الملف السوري المأزوم فحسب، بل بسبب الملف الإيراني، وغيره من الملفّات الشائكة في الشرق الأوسط والمنطقة ككل. فإيران التي تقف في صفّ النظام السوري تقوم بالمناورة العسكريّة تلو الأخرى. وروسيا الداعم الأساسي لسوريا في مجلس الأمن، عزّزت حضورها العسكري قبالة الساحل السوري في المنطقة، عبر إرسال بوارج وسفن بحريّة عدّة، إن إلى ميناء طرطوس أو إلى البحر الأبيض المتوسط وكذلك إلى مياه بحر قزوين. في المقابل، ليس سرّاً أنّ تركيا التي تسهّل مرور مختلف أشكال الدعم العربي للمعارضين السوريّين المسلّحين، تواصل إستعداداتها الميدانية على الحدود مع سوريا، وآخرها تمثّل بنصب منظومة صواريخ “باتريوت” الإعتراضية. كما أنّ صفقات الأسلحة الأميركية والغربية التي قامت الدول الخليجية بتوقيعها في الأسابيع القليلة الماضية بلغت قيمتها الإجمالية 123 مليار دولار أميركي! وهذه الصفقات الضخمة للتسلّح، تشمل شراء طائرات F14 وتحديث طائرات قتاليّة أخرى، وشراء طوّافات هجومية من طرازي Apache وBlack Hawk وغيرها. وإذا كان صحيحاً أنّ من يريد التفاوض من موقع قوّة، يستعدّ عسكرياً، فالأصحّ أنّ من يريد مواصلة القتال بشكل غير مباشر، عبر الساحة السورية، يستعدّ لكل الإحتمالات، ليعيد كل طرف معني حساباته قبل جعل المعركة في سوريا حرباً إقليمية كبرى.