من دمشق إلى طهران.. “رسالة وحيدة” وراء أول زيارة خارجية للمقداد

بعد نحو شهر فقط على توليه وزارة الخارجية السورية خلفا للوزير الراحل، وليد المعلم، حرص، فيصل المقداد، على اختيار العاصمة الإيرانية، طهران، أول محطة خارجية له، وسط ظرف إقليمي ودولي حساس، وعلى وقع توتر في المنطقة أعقب اغتيال العالم النووي الإيراني، محسن فخري زاده.

عنوان الزيارة، حسب ما ذكرت وسائل الإعلام الإيرانية، يختصر بمناقشة القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك بين نظام بشار الأسد والحليف الإيراني، لكنها تقود إلى ما هو أبعد من ذلك، وتطرح معها عدة تساؤلات، أجاب على بعضها محللون بأنها توجه عدة رسائل، بعضها خاص بما يدور في سوريا سياسيا وعسكريا، وأخرى تتعلق بالوضع الحالي الذي تعيشه طهران، بعد اغتيال عالمها النووي، وما تبع ذلك من تهديدات كانت وما زالت في إطار التصريحات السياسية.

وبقراءة وضع السياسة الخارجية لنظام الأسد وبعد عشر سنوات من الحرب، يبدو أن المقداد وحال تسلمه وجد نفسه أمام طرق مسدودة، لا يفتح منها إلا اثنتان، الأولى: إلى طهران التي لا يزال فيها حتى الآن في إطار زيارته، في حين تمضي الطريق الثانية إلى موسكو، والتي يميزها عن سابقتها بأنها وعرة ولا يرتبط فتحها بالنظام الحاكم في دمشق، بل بموسكو التي تفتحها وتغلقها متى تريد.

ولطالما دافع المقداد في الأيام التي سبقت تسلمه منصب وزير الخارجية عن الوجود الإيراني في سوريا، معتبرا أنه “شرعي” ولا يحق لأي دولة المطالبة بإخراج الإيرانيين من البلاد، وعدا عن ذلك كان أبرز من استقبل مسؤولين إيرانيين في أثناء زيارتهم إلى العاصمة دمشق، وعلى رأسهم نظيره، محمد جواد ظريف.

تحالف منذ عهد الأسد الأب

عند الحديث عن إيران بعد عشر سنوات من الحرب في سوريا، لا يمكن تحييدها عن أي مسار سواء سياسي أو عسكري، فقد تمكنت من وضع يدها بشكل كامل في المسارين السابقين، حتى باتت كالتوأم السيامي مع نظام الأسد، وضعها كالوضع الذي ترتبط به موسكو مع نظام الأسد.

ويعود التحالف الاستراتيجي بين طهران ودمشق إلى عهد الأسد الأب (حافظ الأسد)، ليتحول هذا التحالف على الأرض بصورة أكبر، عقب أحداث الثورة السورية في عام 2011، حين زجت إيران بميليشياتها إلى جانب صفوف “الجيش السوري”، وكان لها الدور الأبرز في منع العاصمة دمشق من السقوط، وهو أمر أكده مسؤولون إيرانيون في وقت سابق، على رأسهم قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني، قاسم سليماني، الذي نقترب من الذكرى الأولى لمقتله قرب العاصمة العراقية بغداد.

ويجمع المحللون والباحثون أن إيران لن تتخلى بالسهولة عن سوريا وتغلغلها في مفاصل النظام السوري، فالديون والهبات يوجد مقابلها حجز أراض وتجنيس عشرات الألوف وتجنيد ميليشيات على الأرض.

بينما يعتقد آخرون أن إبعاد إيران من سوريا على المدى القصير لا يمكن أن يتم، إلا أنه يمكن القول إن معركة تحجيم النفوذ الإيراني قد بدأت، وانطلقت أولى مراحلها، منذ قرابة ثلاث سنوات، في أثناء شروع الجيش الإسرائيلي على شن ضربات جوية مكثفة على مواقع للأسد وإيران على طول الخريطة السورية.

“رسالة وحيدة”

في تصريحات لـ “موقع الحرة”، يرى الدبلوماسي السوري السابق، بشار الحاج علي، أنه وقبل البحث بأسباب زيارة المقداد إلى طهران يجب الأخذ بعين الاعتبار بأن سوريا باتت “دولة مرتهنة لنظام دكتاتوري مغتصب لمؤسساتها، من أجل الحفاظ على مصالح ضيقة لزمرة السلطة”.

ويقول الدبلوماسي السوري السابق: “نظام الأسد جعل من سوريا كلها رهينة لقوى الاحتلال الداعمة له، ومنها بطبيعة الحال نظام الملالي، وهذا يجعلها منقوصة السيادة وغير مكتملة بالإرادة السياسية”.

وبذلك يشير الحاج علي إلى أنه لا يمكن أن “تكون الرسائل التي يقوم بها النظام معبرة عن إرادته بل عن إرادة المشغل الخارجي”.

الوكالة السورية للأنباء “سانا” ذكرت أن زيارة المقداد إلى طهران جاءت تلبية لدعوة نظيره جواد ظريف، بينما قال المتحدث باسم الخارجية الإيراني، سعيد خطيب زاده، إن هدف الزيارة يكمن في مناقشة القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وأشار خطيب زاده، عبر حسابه في “تويتر” إلى أن “إيران تقف إلى جانب الشعب السوري في مكافحة الإرهاب”، بحسب تعبيره، ولم يتجاهل التطرق إلى الواقع الحساس الذي تعيشه بلاده، وخاصةً بعد اغتيال فخري زاده.

ويوضح الدبلوماسي السوري السابق أن زيارة المقداد “تأتي في أعقاب مقتل زادة كنوع من المجاملة والتضامن والدعم من جهة، وفي ظل وجود ما يسمى اتفاقية تعاون استراتيجي أيضا”.

ويعتبر الحاج علي بأن الزيارة تبعث برسالة متشددة في وجه الحلول السياسية، “وهي تصب في مصلحة النظام الإيراني في صراعاته الإقليمية والدولية”.

“ولاء كبير للأسد وإيران”

المقداد، المنحدر من بلدة غصم في محافظة درعا، يعتبر شخصية استثنائية في النظام السوري، ويُعرف بولائه الكبير لعائلة الأسد، وكان له الدور الأكبر في تمييع المسار السياسي الخاص بسوريا، منذ مطلع أحداث الثورة السورية، وخاصة عندما كان، الأخضر الإبراهيمي، مبعوثا للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا.

انضم إلى السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية في حكومة الأسد، في 1994، وانتقل إلى الوفد الدائم لدى الأمم المتحدة، في عام 1995، وفي عام 2003، عين المقداد سفيرا للنظام ومندوبا دائما في الأمم المتحدة، قبل أن يتسلم منصب نائب وزير الخارجية، في عام 2006، وصولا إلى المنصب الحالي الذي يشغله كوزير لخارجية نظام الأسد.

زيارة المقداد إلى طهران ليست الأولى التي تصب في إطار ممارسة صلاحياته في خارجية النظام، فقد سبقتها بأيام تصريحات له ندد من خلالها باغتيال فخري زاده، معتبرا أن عملية اغتياله “عمل إرهابي يجب على المجتمع الدولي إدانته وعلى الأمم المتحدة الاضطلاع بمسؤولياتها في محاربة الإرهاب والالتزام بقواعد القانون الدولي”.

وإلى أربع سنوات مضت، في عام 2016، كان المقداد قد برر الوجود الإيراني في سوريا بالقول: “حكومة الجمهورية العربية السورية دعت قوات حليفة وصديقة لمساعدتها في الحرب على الإرهاب، ومن بين هذه القوات قوات روسية وإيرانية وخبراء إيرانيون وإخوة في حزب الله وكل هذه الأطراف هي معنية بالحرب على الإرهاب، ولا تنتهك سيادة وحرمة أراضي الجمهورية العربية السورية وتعمل بتنسيق تام مع الدولة السورية”.

ومن زاوية أخرى، لكنها ترتبط بما سبق، اعتبر الدبلوماسي السوري، بشار الحاج علي، زيارة المقداد إلى دمشق الطريق الوحيد له “في ظل العزلة الدولية على النظام السوري، والمترافقة مع تطبيق العقوبات الدولية وخاصة الأميركية. لا توجد دول يمكنه زيارتها أو تقيم علاقات طبيعية معه”.

 

 

المصدر: الحرة