الشواهد تدل بقوة على أن قرار ترامب الاعتراف بسيادة «إسرائيل» على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، ليس هو آخر المطاف، في سلسلة التحيز المفرط ل«إسرائيل»، خروجاً عن التزامات سياسية وأدبية للولايات المتحدة تجاه السلام بين «إسرائيل» والفلسطينيين، وفي انحراف عن قواعد السياسة الخارجية الأمريكية، حسب التعبير الذي استخدمه الكاتب الأمريكي مايكل ليند.
وبالرغم من وجود دوافع وراء هذا التوجه لترامب تخص مصالحه بشأن أكبر حجم من القوى اليهودية، وجماعات المسيحية الصهيونية، لتكون سنداً له في انتخابات الرئاسة القادمة، فإن ما نراه يجعلنا ننظر إلى ما يجري من زاوية الوصف الذي جاء في دراسة لجامعة هارفارد، تقول إن الاتجاه الذي تسير فيه سياسة أمريكا الخارجية، يعني أن ل«إسرائيل» وحدها أن تقرر شروط علاقتها بالعرب، وأن على الولايات المتحدة الأخذ بهذه الشروط، مهما كانت.
ويبدو حسب ما يراه خبراء السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط، يميل إلى اعتبار أن قرار الجولان ليس آخر المطاف. وهذا هو تشخيص لمايكل براون الصحفي المستقل الذي تنشر مقالاته في ست صحف أمريكية على الأقل منها، «الهيران تربيون»، و«ذانيشن»، و«الواشنطن بوست» وغيرها.
ويقول: بعد قرار الجولان، فإن ترامب ونتنياهو يتحركان صوب الضفة الغربية المحتلة. وإن كان هذا مشروطاً ببقاء الاثنين في الحكم من أعوام 2020 – 2024، ويجد أن الفرصة متاحة أمامهما لكي تبتلع «إسرائيل» أغلبية أراضي الضفة الغربية- فقد كان قرار الجولان بمثابة تمهيد للأرض سياسياً، لقرار مماثل بشأن الضفة، حتى ولو كان ذلك لا يستند إلى أي أساس من القانون الدولي، والواضح أن ترامب يمشي على خطى متدرجة، ترضي نتنياهو، منذ إعلانه نقل السفارة الأمريكية، إلى القدس المحتلة، والاعتراف بها عاصمة ل«إسرائيل».
وعبر هذا التوجه الأمريكي في انحيازه السافر ل«إسرائيل»، كان من المهم استطلاع ردود الفعل داخل الولايات المتحدة، سواء بين القوى اليهودية، والمراكز المؤيدة ل«إسرائيل»، وأيضاً بين السياسيين وأعضاء الكونجرس.
وقد لوحظ وجود انقسام بين منظمات ومراكز معروف عنها التأييد ل«إسرائيل». منها على سبيل المثال «منظمة الايبال» التي هللت لقرار ترامب. وقالت إنه ليس من المعقول أن تنسحب «إسرائيل» من الجولان. واعتبرت أن قرار ترامب قد أحدث تغييراً جذرياً في السياسة الأمريكية، أيضاً المنظمة الصهيونية لأمريكا التي وجهت الشكر لترامب على قراره. وأعربت في بيان لها عن إشادتها الكبيرة بترامب وقراره. بينما اعترض على القرار «مجلس العلاقات الخارجية»، الذي كان مؤيداً ل«إسرائيل» في كثير المواقف، وأعلن ريتشارد هاس، رئيس المجلس، «إنني أختلف كلية مع ترامب، وأحذر من أن هذا ليس هو الوقت المناسب لاعتراف أمريكا بسيادة «إسرائيل» على الجولان، ولا توجد أية دولة عربية تقبل إقامة اتفاق سلام مع «إسرائيل» بعد هذا القرار، الذي يخالف قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي يرفض الاستحواذ على أراض عن طريق الحرب».
وفي عمليات لقياس المواقف السياسية داخل الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، فقد وجد استطلاع لمعهد بيو Pew
أن 27% من الديمقراطيين يميلون ل«إسرائيل» على حساب الفلسطينيين، مقابل 79% من الجمهوريين.
أما معهد جالوب لاستطلاعات الرأي فقد وجد أن 17% من الديمقراطيين يوافقون على تأييد نتنياهو، بينما الذين يوافقون على ذلك من الجمهوريين فنسبتهم 64% في الكونجرس، ومنذ قرار الاعتراف بالقدس عاصمة ل«إسرائيل»، فأكثرية الجمهوريين يوافقون وأقل منهم عدداً من الديمقراطيين، بينما وصفت قيادات ديمقراطية القرار بأنه خطأ. منهم بيرني ساندرز، واليزابيث وارين، وكلاهما مرشح محتمل للرئاسة عام 2020.
كثير من المحللين في الولايات المتحدة اتفقوا على أن دوافع ترامب في محاولة فوزه في انتخابات الرئاسة القادمة، كانت من أكبر الأسباب وراء اتخاذه القرار بشأن الجولان، وبقية القرارات التي اتخذت بالفعل، وكذلك المتوقعة منها لاحقاً، وأنه يريد خلق فجوة تصويتية لمصلحته، بينه وبين أي منافس في انتخابات الرئاسة القادمة، بدفع القوى اليهودية، والصهيونية المؤيدة ل«إسرائيل» بلا حدود، لكي تلقي بثقلها وراء فوزه.
لكن البعض من خبراء السياسة الخارجية في الولايات المتحدة يرون أن ما يفعله ترامب يمثل سابقة في تجاهل الولايات المتحدة التام للقوانين الدولية، ولقرار مجلس الأمن بشأن الصراع «الإسرائيلي»- الفلسطيني، والوقوف منفرداً ضد رأي عام عالمي، وسياسات الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، والانقضاض على النظام الدولي، الذي يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة، الذي جرى التوافق عليه في عام 1945، وهو المرجعية الشرعية لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
عاطف الغمري
المصدر: الخليج
الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.