الغرب مكافحا الإرهاب… متى يبدأ من ذاته!

بين التخلف والتدين تلازم. ليس تاريخياً واجتماعياً فحسب. بل كاد يصير تداخلاً عُضوياً وبنيوياً. فهما معاً يميزان الظاهرة الثقافوية الشائعة تحت مصطلح الشعبوية. ولقد فُهم هذا المصطلح عادة كتوصيف سلبي ومُدان لأحوال شعبية محرّفة عن أوضاعها السوية الأصلية وإن تَظاهرت ببعض خصائصها. والحقيقة فالانحراف نحو الشعبوية مرض عضال تتعرض له كل واقعة عمومية فاقدة واقعياً لدلالتها المفترضة التي تدعيها؛ وفي عالم السياسة حيثما يكون العمومي دائماً هو موضوع التعامل والتداول تتربص الشعبويات بالآراء والمواقف الجادة؛ فقد تحجبها، وتطرح ذاتها كبدائل عنها، سهلة التناول وسريعة التحقق (الزائف طبعاً).
في الحقبة الراهنة الموصوفة بطغيان التدين كبديل عن السياسة، في الأوساط الشعبية خاصة، ليس ثمة تعليل لهذا الطغيان إلا باجترار الحجة الشائعة، وهي هزائم الأيديولوجيات (التحررية) وتجاربها الانقلابية الفاشلة السابقة في تحقيق أي هدف تحرري نهضوي من وعود الاستقلال الوطني أو القومي لما بعد الاستعمار. وهو أمر لا ينكره أحد. لكن الأصح والأوضح كذلك هو إعادة التفكر في السؤال البنيوي عن الطبيعة الحقيقية للمجتمع التقليدي الموروث. إذ جاء الوقت للاعتراف لهذا المجتمع بفعالية مقاومته لكل ما ليس نازلاً من صلبه؛ لم يكن مجتمعنا التقليدي عصياً على التغيير، كما يُشاع عنه. بل على العكس. كان فوريَّ الاستجابة للوافد الدخيل. يوهمه أنه سيكون له البيئة الحاضنة في حين ينهمك بإعادة استنساخ منجزات الوافد الجديد ونشرها نماذج شعبويات فارغة، ضارة وعقيمة.
لقد انقضت عهود الوطنيات والقومويات والماركسيات. كانت كل من رموزها تأتي بوعود الواحات الزاهرة دولياً عربياً ثم تمضي كعواصف صحراوية فانية. حتى بلغت (الأمة) أخيراً عصر الحرية. جعلته ربيع حياتها الجديدة. لكن المجتمع العميق مارس عاداته القديمة؛ أطلق مع هذا الربيع سلاسل شعبوياته المضمرة. و أضفى عليها عباءات القداسة. انطق ألسنتها العجماء بالأسماء الحُسْنَى. وصبغ حناجيرها بدماء الأعناق الحرة.
علامة الربيع أنه يجيء مبشراً بعصر الديمقراطية. ما يعني أن كل ما هو استبدادي قد آن أوان زواله. من هنا لم يتبق لنظم الاستبداد ثمة قدرة على الاحتكام إلى مبدأ العنف وحده كتسويغ واقعي مادي لديمومة التسلط والقهر. لم يعد نظام إنساني ما قادراً على حماية الاستبداد. فلا بد من النقلة العظمى. من حماية الفانين إلى ملكوت الخالد الأبدي. سقوط قلاع الظلم والاستغلال أمسى مسألة وقت، من يمكنه أن يبطل هذه الحتمية. ليس هناك سوى جواب وحيد: حض الشعوب على إعادة إنتاج عبوديتها لولي أمرها الأعظم. غير أن هذه الاستراتيجية الكونية تتطلب انقلاباً ميتافيزيقياً! لا أن يعيد التاريخ نفسه فحسب بل أن يفرض مبدأ الأرض المحروقة في كل مكان.
هكذا بعد أن تحرر العرب من احتلال الاستعمار الأبدي ثم أوشكوا على التحرر من الاستبداد الأهلي، توشك أوطانهم أن تعود ساحات احتلال لنماذج حروب التاريخ وما قبله معاً. كل ذلك يحدث بسبب أن العرب سوف يصبحون شعوباً حرة. قد يفجرون لذاتهم وللعالم معركةَ الحرية الحقيقية.ها هو الغرب، وهو الاستعماري القديم، يحول ربيع الديمقراطية العربية إلى خطوط أولى لجبهات كل الحروب ضد ما يسميه الإرهاب. لكن من سوف يتصدى لإرهاب الغرب نفسه. متى يقرر الغرب حقاً منع الاستغلال، لكي يحق له بعد ذلك أن يقود نوعاً من كفاح عالمي ضد كل بؤرة إرهابية.
إنها إذن ثقافة العلاقات المشبوهة ما بين جرائم الأسياد وأشباه المتوحشين والعبيد أشباه الخانعين. غير أن الإشكالية في هذه العلاقات ناجمة دائماً عن تبادل الأدوار ما بين القطبين. لم تستطع الفلسفة ولا الأديان قبلها ومعها أن تنظم على الأقل برامج التبادل هذه وليس أبداً أن تدعي اجتراح حلولها الأخيرة.
ما ينبغي لعقلاء الغرب الأوروبي خاصة أن يَعوه ويفعلوه هو الكف عن إثارة الحروب الدينية. إنهم بالفعل لا يمكنهم أن يحضوا العرب والإسلام وسواهم على محاربة الإرهاب، وهم، أهل الغرب، لا يكفون عن افتعال أخطر أسبابه، وعلى رأسها مبدأ استغلال كل ما هو عام من أجل الخاص وحده.
أوروبا اليوم التي أصبح جنوبها المتوسطي يخيفها أكثر من أي وقت مضى، لن يمكنها أن تتمترس عسكرياً فحسب على حدودها البحرية، ولا أن ترسل غزوات متنقلة إلى بؤر في الجنوب أو الشرق. لا بد لثقافة حقوق الإنسان أن تكسر ذلك التمييز المشؤوم في الإنسان عينه ما بين مستحق لحقوقه وآخر منقوص أو معدوم الحقوق. هذه الازدواجية هي علة الظلم، وقوة ديمومته. فالظالمون والإرهابيون سواسية. والأوائل هم الأخطر، لأنهم هم أسباب لذواتهم وللإرهابيين في وقت واحد. ولولا عقيدة (الخَوْصنة) تلك لكان جاء تاريخ البشرية مختلفاً كلياً.
لكننا بالطبع لن ننتظر حتى تتحقق يوماً ما معجزة انقلاب العقل الغربي على بعض ثوابته، لكي يضع حداً على الأقل لعبثيات النفاق السياسوي وازدواجيات المعايير. فكم نادى مفكرو الغرب بفضائل التكامل ما بين السياسة والأخلاق. ولقد وصلت المدنية إلى لحظة الحسم في إشكالية التكامل هذه، كما كتب عن ذلك أهم فلاسفة العصر، ومن هذا الغرب عينه.
يقول البعض إنها صخرة سيزيف لا بد من سقوطها من قمة الجبل. لكن لا بد بالمقابل من أن يعبد هذا الإله أو نصف الإله هذا رفعَها وهكذا إلى الأبد.

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

المصدر : القدس العربي