داعش كتنظيم فرنسي: «تخليص الإبريز» على منهاج بلانكي

علّل تنظيم «الدولة الإسلامية» الهجمات الرشاشة الدموية لإنتحارييه في باريس بإثنتين: الردّ على سبّ النبيّ، مرة أخرى، والردّ على ضرب المسلمين في أرض الخلافة. «استطرد» التنظيم، تجاوزاً على هذين السببين، فوصف باريس نفسها بـ»عاصمة الرذيلة». استدرك في مكان آخر من البيان، فلا بدّ للكفر أن يُحسَب فيها على الملّة، وليس على الرذيلة فحسب، فوجد «سمة دينية» لمباراة كرة القدم التي كان يحضرها الرئيس فرنسوا اولاند ليلتها، حيث أنّها مباراة بين فريقين صليبيين.
في بيان «التنظيم» تداخل بين زمنين. زمن يوحي بعلاقة تحاربية خارجية بين الدولتين، الفرنسية والإسلامية: الأولى تعتدي على الثانية في دار الخلافة، فيرد جند الخلافة لها الصاع صاعين. يشرئب في المقابل زمن آخر، زمن التداخل المرعب: في هذه الحالة لا تعود الحرب بين دارين، دار السلام – داعش ودار الحرب – فرنسا، بل تصير حرباً بين «فرنستين»، فرنسا – الجمهورية – الرذيلة، وفرنسا – الإمارة الجهادية، المنتمية من موقعها كـ»جزيرة»، إلى فلك «الدولة الإسلامية». واقعة التنقل بين الفضاء الترابي للدولتين الإسلامية والفرنسية يقيم حيثية الزمن الأول. واقعة أنّ فرنسا هي مسقط رأس المهاجمين، وأنّ الجنسية تحصّل فرنسياً من مسقط الرأس، يعطي زاداً للزمن الثاني.
الزمن الأوّل يرشح إرهاباً. الزمن الثاني يمتلئ بالرعب. بالاسترسال في المخيال الداعشي يفترض بأنْ يكون أفق المواجهة تبعاً للزمن الأوّل هو القتال حتى فتح فرنسا أو الهدنة بين «الدولتين» مع الجزية. أما في الزمن الثاني، فإنّ «داعش» تستحيل تنظيماً له طابع فرنسي يعمل على «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» داخل المجتمع الفرنسي، وانطلاقاً من الإمارة الجهادية التي يعمل على انشائها حول باريس وداخلها. اختلاف كبير عن هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر هنا. الهجمات الرشاشة تشي بمنسوب مرعب من التبيئة مع المكان.
صورتان تحضران من القرن التاسع عشر. الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في مشاهداته عن المدينة التي دوّنها في «تخليص الابريز في تلخيص باريز»، والثوري الفرنسي اوغست بلانكي الذي احترف الجهاد المسلّح لعقود لا يكلّ أو يملّ فيها، وهو يجهّز مجموعة من المسلّحين للسيطرة على «دار البلدية» في المدينة ثم يدخل السجن ثم يخرج منه، ويعاود الكرة، ثم يدخل السجن.
الإسمان ناصعان في اعتبارات اليوم. الطهطاوي يحتفى به كأحد رواد النهضة الثقافية العربية و»عصر الإستنارة». وبلانكي كجزء من التراث الثوري الاجتماعي لباريس واسم لأحد بولفاراتها. على الأغلب أن رجال «تنظيم الدولة» لم يسمعوا ببلانكي، وقلّة منهم حكمت على «باريز» بالعودة إلى الطهطاوي. لكن في مكان ما، هذا الكابوس الليلي الأخير لباريس، هو كابوس التداخل بين مقامي الطهطاوي وبلانكي!
شغف الطهطاوي بباريس، لكنه وصفها هو الآخر بمرتع «الشهوات الشيطانية»، واعتبر المدينة «مشحونة بكثير من الفواحش والبدع والاختلالات». اهتمّ بحماية نفسه وذوي جلدته من مجونها، ولم يناد بالطبع بالأمر بالمعروف فيها. بقيت عنده في نهاية المطاف داراً للحرب، للفتح أو للصلح، وليس لإقامة الحدود «خبط لصق». تعامل مع أهلها بحساسية «اثنوغرافية». وصف رجالها بأنهم «عبيد النساء وتحت أمرهن سواء كنّ جميلات أو لا». أخذ عليهم عدم الغيرة على النساء، وعلى نسائها «قلة العفاف». لكنه التقط في كل هذا نقطة مشتركة مع «العرب» على ما قال: أشاد بعدم ميل الفرنسيين « إلى الأحداث والتشبب فيهم». وقال أنه «من محاسن لسانهم وأشعارهم انها تأبى تغزّل الجنس في جنسه». فاضل بين الباريسيين والقبط أيضاً، حين قال: «ان الباريزيين يختصون من بين كثير من النصارى بذكاء العقل ودقة الفهم وغوص ذهنهم في الغويصات، وليسوا مثل النصارى القبط، في أنهم يميلون إلى الجهل والغفلة».
المشاركون في الغزوة لم يستوعبوا أنّ مسقط رأسهم دار حرب. استعاروا من اليمين المتطرف فكرة أن مصادفة ولادتهم على هذه الأرض هو بحدّ ذاته شكل من أشكال الغزو. لكن، والحال هذه، لم تعد حربهم على فرنسا لسلب الغنائم أو فرض الجزية أو فتحها، وانما صارت حرباً يريدونها ضد «الرذيلة». داعش الفرنسية تحرّكت كمؤسسة حسبة تبحث لنفسها عن مكان في نظام الفصل بين السلطات!!
في القرن التاسع عشر، غدا بلانكي رمزاً محبوباً في الفئات الشعبية، لكن بلانكي لم يكن «اتكالياً» في علاقته مع الشعب. كان «توكلياً» على طريقته: عليكَ أن تشكّل مجموعة مسلّحة صغيرة، وتتحرّك باتجاه «دار البلدية» وتحتله وترفع علم الثورة وتفرض الديكتاتورية المؤقتة. ترجيع لصدى حديث «ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل».
الرجال من داعش «طهطاويون من داخل النسق الباريسي»، «وبلانكيون من خارج النسق الفرنسي». لم يرفعوا راية الخلافة فوق دار البلدية، لكنهم لم يكتفوا بالتفجيرات الانتحارية. حاربوا بالمدافع الرشاشة. استخدموا بلانكي عن غير معرفة بشخصه، إلا مروراً ببولفاره. طليعة صغيرة مقاتلة تتحرّك في فضاء معجون بتاريخ من المتاريس وحروب الشوارع. هي في وقت واحد، غريبة عنه تماماً، ولصيقة به أكثر مما يحسبه القاصي والداني. هم رواد «تخليص الإبريز» على منهاج بلانكي.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

القدس العربي