المناورات المشتركة بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي ليست بجديدة، وهي تكثّفت في السنوات القليلة الماضية بحجّة الوقوف بوجه المخاطر التي تهدّد إسرائيل والمصالح القوميّة الأميركية، لا سيّما من إيران، وأبرز هذه المناورات وأضخمها نُفّذ في تشرين الأوّل 2012. لكن التجربة الصاروخيّة التي جرت يوم الثلاثاء في الثالث من أيلول، أخذت أهميّة كبرى نظراً إلى توقيتها، وبسبب الخطوة التي رافقتها، وبفعل الرسائل التي بعثتها في غير إتجاه. فبغض النظر عن موقع إطلاق الصاروخ الأوّل وعن طرازه، وبغض النظر عن طبيعة الصاروخ الإعتراضي، كان الهدف من العمليّة متعدّداً:
أوّلاً: رفع الجهوزيّة العسكرية للجيشين الأميركي والإسرائيلي إلى أعلى الدرجات، وتأكيد جدّية الإستعدادات لمعركة محتملة.
ثانياً: توجيه رسالة إلى القوى الإقليميّة كافة أنّ التعاون الأميركي-الإسرائيلي في أيّ مواجهة محتملة سيكون كاملاً.
ثالثاً: إثبات القدرة الميدانية على رصد الصواريخ الباليستيّة، وعلى جهوزيّة منظومة إعتراضها.
رابعاً (والأهم): إثبات القدرة على التشويش على رادارات الجيوش الإقليمية، وفي طليعتها الجيش السوري، وعلى إطلاق صواريخ باليستيّة، من دون رصدها من قبل دول المنطقة.
إشارة إلى أنّه لولا تمكّن المنظومة الراداريّة في منطقة “أرمافير”، جنوب روسيا، من رصد الصاروخين، لما كان عرف أحد بالمناورة! وكان لافتاً كشف متحدّث بإسم وزارة الدفاع الروسية، من أنّ وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، سارع إلى إبلاغ الرئيس فلاديمير بوتين، بوجود نشاط صاروخي في أجواء البحر الأبيض المتوسط، في دلالة على دقّة الوضع في هذه المنطقة في المرحلة الراهنة.
وتأتي هذه التطوّرات في الوقت الذي تواصل فيه إدارة الرئيس الأميركي جهودها، لتأمين أغلبيّة مؤيّدة لقرار الضربة العسكرية ضد سوريا، بين أعضاء الكونغرس. وحتى الساعة، لا أغلبيّة مكفولة، مع تسجيل بروز معارضة من أعضاء في الكونغرس ينتمون إلى الحزب الديمقراطي (حزب الرئيس)، في مقابل تأييد أعضاء ينتمون إلى الحزب الجمهوريّ للعمليّة في سوريا، وفي طليعتهم رئيس مجلس النواب الأميركي جون بينر. ويمكن القول إنّ ممثّلي الشعب الأميركي إنقسموا إلى ثلاث فئات، إحداها تعارض الضربة بالمطلق رفضاً للإنخراط بأي حرب جديدة، وأخرى مع الضربة لكن بشروط قاسية تؤكّد عدم التورّط بأي إنتشار ميداني للجيش الأميركي، وثالثة مع توسيع الضربة لتكون مدمّرة وليس تأديبيّة فقط.
في المقابل، يستعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي ترأس بلاده الدورة الحالية لقمة “مجموعة العشرين” (أهم 20 قوّة إقتصادية في العالم)، التي ستعقد في مدينة “سان بطرسبورغ” الروسيّة في الخامس والسادس من الشهر الجاري، لتأمين معارضة دوليّة واسعة من الدول المؤثّرة، لقرار التدخّل العسكري الأميركي. فعلى الرغم من أنّ مواضيع القمّة هي عادة إقتصادية، ومنها هذه المرّة مسألة تنظيم الأسواق المالية، ومسألة معالجة مشكلة التهرّب من دفع الضرائب، فالأكيد أنّ ملف الأزمة السورية سيكون في طليعة مواضيع البحث على طاولة المجتمعين. وليس سرّاً أن العلاقة بين الرئيسين الأميركي والروسي اللذين من غير المقرّر أن يلتقيا في إجتماع ثنائي خلال القمّة، هي حالياً سيئة جداً، نتيجة سلسلة من الخلافات المتراكمة، وآخرها قضيّة مسرّب معلومات وكالة الأمن القومي الأميركي، إدوارد سنودن، وقبلها قضيّة “منظومة الدرع الصاروخي”، والملف النووي الإيراني، والأزمة في سوريا… لكن هذا الواقع لن يمنع الرئيس بوتين من أن يذهب إلى قمّة “سان بطرسبورغ” بنيّة تفاوضية، من موقع قوي. وهو يرغب بالإستفادة من بند “تجميد تنفيذ العقود العسكرية” مع سوريا، لجهة وقف تسليم طائرات متطوّرة من طراز “ميغ 29 أم وأم 2″، وكذلك منظومة دفاع جوّي حديثة عمادها صواريخ من طراز “أس 300″، وذلك بحجج مالية (1)، ليبدو بمظهر المفاوض الساعي إلى تسوية، والمُستعد لتقديم تنازلات في مقابل الحصول على تنازلات مقابلة. والتنازلات المقابلة ما هي إلا إلغاء قرار الضربة الأميركية لسوريا، والضغط على المعارضة السورية المسلّحة للموافقة على المشاركة بإجتماع “جنيف 2”.
فهل سينجح بوتين في مقايضته؟ وإذا لم ينجح بذلك، هل سيوقف الكونغرس الأميركي الضربة بنفسه؟ وفي حال فشل كل من بوتين والكونغرس، فهذا يعني حكماً أنّ الأمور ذاهبة نحو المواجهة، إعتباراً من منتصف الأسبوع المقبل. والغد لناظره قريب!
(1) الحجّة التي أعطيت مفادها أنّ سوريا لم تُسدّد ما عليها من مستحقّات سابقة، علماً أنّ هذا البند لم يكن سبباً في السابق لوقف عقود التسلّح، حيث كانت موسكو تغضّ الطرف عن الأمر، وتذهب بعيداً في حسم الكثير من الديون السورية. أكثر من ذلك، نُشر في الأشهر القليلة الماضية أكثر من تقرير صحافي غربي يذكر صراحة أنّ النظام السوري سرّع في عمليّة سداد المستحقّات المالية عليه لروسيا، على الرغم من الضائقة المالية التي يعاني منها.
النشرة