بأساليب عدة.. هيئة تحرير الشام تغض الطرف عن “المخالفات الشرعية” وتسعى  لتلميع صورتها أمام المجتمع الدولي 

تعمل هيئة تحرير الشام على تلميع صورتها وإظهار نفسها “كجماعة معتدلة” تحظى بحاضنة شعبية واسعة وقبول من قبل سكان المناطق التي تسيطر عليها شمال غربي سوريا، من خلال العديد من الإجراءات والتغيرات في منهجيتها وطريقة تعاطيها مع المدنيين ومحاولة نزع صفة “التشدد” الملازمة لها.
بدأت التغيرات تطرأ بشكل واضح في طريقة تعاطي “هيئة تحرير الشام” مع سكان المناطق الخاضعة لسيطرتها مع بداية تفردها بالسيطرة على مناطق واسعة ضمن أرياف حماة وإدلب وحلب في أواخر العام 2018 بعد أن تمكنت من تفكيك عدة فصائل كانت حينها تقاسمها السيطرة على هذه المناطق مثل “حركة أحرار الشام الإسلامية” و”حركة نور الدين الزنكي” و”صقور الشام” وغيرها، حيث بدأت برسم ملامح طريقة حكم جديدة من أهم أساسياتها هو إلغاء العديد من القوانين التي كانت تفرضها والتي تصنف على أنها “تشدد ديني”.
واستخدمت “هيئة تحرير الشام” “حكومة الإنقاذ” كجهة مدنية منفذة لمشروعها الجديد، تهدف من خلاله كما هو واضح نزع صفة التشدد وتصنيفها كمنظمة “إرهابية”، حيث بدأت بسلسلة قرارات نظمت من خلالها معظم الملفات التي كانت تتبع بشكل مباشر “لهيئة تحرير الشام” وسلمتها “لحكومة الإنقاذ” التي تعد الواجهة المدنية لها، وعملت على تغيير المسميات “الجهادية” بما يتلائم مع المشروع الجديد وبدأت “حكومة الإنقاذ” بتسلم هذه الملفات لمنحها طابع مؤسساتي مدني بعيداً عن سلطة “هيئة تحرير الشام” شكلياً.
ومن بين تلك الملفات “السجون” وجهاز الأمن العام والشرطة المدنية التي سلمتها “لوزارة الداخلية”، وملف “الممتلكات المصادرة” التي شكلت لها مؤسسة جديدة عرفت مؤخراً باسم “مؤسسة الإسكان” كبديلة عن “لجنة الغنائم”، و”المعابر” والقطاع الاقتصادي وغيرها العديد من الملفات التي تسلمتها “حكومة الإنقاذ” التي دأبت بدورها طوال الفترة الماضية لإطفاء الطابع التنظيمي للمنطقة ومحاولة فصل العسكرة عن الحياة المدنية وهذه الخطوة الأولى التي عملت عليها “هيئة تحرير الشام” واستطاعت تنفيذها واقعياً لحد كبير كما يؤكد العديد من المدنيين الذين يقطنون ضمن هذه المناطق منتبهين بذات الوقت للهدف الذي تطمح له “هيئة تحرير الشام” من خلال هذا التنظيم المؤسساتي للمنطقة والتي بات البعض يذهب لحد توصيفها بدولة قائمة بجميع أركانها.
“لم يعد هناك عشوائية كما كان في السابق فكل شيء منظم وعن طريق المؤسسات والمديريات التابعة لحكومة الإنقاذ” هكذا بدأ الناشط (م.أ) المقيم في ريف إدلب الشمالي توصيف مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” في شمال غربي سوريا، وفي حديثه مع المرصد السوري لحقوق الإنسان يقول، تهدف “هيئة تحرير الشام” من خلال هذا التنظيم المؤسساتي للمنطقة والذي يكاد يشبه دولة قائمة بذاتها ومستقلة لإظهار المنطقة بشكل جيد أمام المجتمع الدولي لإقناعه بأن “هيئة تحرير الشام” لم تعد تلك الجماعة المتشددة والتي كانت تحت عباءة “تنظيم القاعدة” في يوم من الأيام” والتي كانت تسمى “جبهة النصرة”.
مضيفاً، كما أنها دأبت خلال السنوات القليلة الماضية على كسب ود الحاضنة الشعبية من خلال تساهلها في العديد من الأشياء التي كانت سابقاً تعد من الثوابت بالنسبة لها، مثل نظرتها للتدخل التركي في الشمال السوري ومحاربتها لتنظيمات جهادية تصنف على أنها “متطرفة”، إضافة لغض النظر عن أشياء أخرى كانت تسميها “مخالفات شرعية” مثل التدخين و(الأركيلة) وعرض الملابس النسائية في المحال التجارية والحفلات الغنائية والاختلاط بين الذكور والإناث في الأماكن العامة وغيرها من الأشياء التي بدأت تتغاضى عنها.
ويوضح، أن تنفيذ مشروع “هيئة تحرير الشام” الجديد قوبل بانتقادات واسعة من قبل فئة من عناصرها وقياداتها المتشددين الذين انشق جزء منهم عن صفوفها بسبب ما يعتبرونه “منكرات” تسمح بها الهيئة في مناطق سيطرتها، كما وانكروا عليها تنسيقها وتعاونها مع الجانب التركي وخطابها “المعسول” للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن رغم ذلك لم تصغِ “هيئة تحرير الشام” لهذه الانتقادات وتستمر في تغيير منهجها نحو مزيد من التساهل لكسب ثقة المجتمع الدولي.
كما ويلفت إلى أنه ورغم وجود أصوات معارضة “لهيئة تحرير الشام” ضمن مناطق سيطرتها إلا أن شريحة واسعة من المدنيين بدأوا يشعرون بالارتياح لوجود تساهل من قبلها وعدم التشديد عليهم في أمور حياتهم اليومية مع علمهم بذات الوقت بأن هذا التغير والتساهل الذي طرأ “مصطنع” وغير حقيقي ويندرج تحت بند تسميه “هيئة تحرير الشام” “سياسة شرعية”.
من جملة التغيرات التي أجرتها “هيئة تحرير الشام” في سبيل تلميع صورتها هي الزيارات المتكررة التي يقوم بها “أبو محمد الجولاني” للتجمعات السكنية والمشاركة في افتتاح مشاريع خدمية كان آخرها افتتاح آبار مياه جوفية لقرى “جبل السماق” ذات الغالبية الدرزية، وسبقها افتتاح مشاريع أخرى مثل طريق حلب – باب الهوى وغيرها، فضلاً عن اللقاءات المتكررة مع وجهاء وأعيان عدة مناطق في ريف إدلب، وخلال هذه اللقاءات يخرج “الجولاني” بلباس مدني و”ذقن” قصيرة بخطاب عصري يحاول نزع الصورة السابقة عنه من أذهان المجتمع الدولي وحاضنته الشعبية.
كما وتتساهل “هيئة تحرير الشام” على غير عادتها بأوامر من قيادتها مع المدنيين فيما يخص موضوع “تطبيق الشريعة الإسلامية” الذي كان الهدف الأبرز لها في بدايات تشكيلها تحت مسمى “جبهة النصرة”، حيث استحدثت إجراءات معينة روتينية للسماح للمدنيين بالقيام بأفعال كانت تعتبرها من “المنكرات” مثل “الحفلات الشعبية “المصحوبة بالغناء والموسيقى، حيث استحدثت “تصريح حفل” ليستخرجه صاحب الحفل بعد دفع مبلغ من المال ويسمح له على إثره القيام بالحفل في أي مكان يختاره، وكذلك الحال بالنسبة للمقاهي والمطاعم والمسابح التي سمح لها بعد دفع المال والحصول على التصريح بتقديم “الشيشة” الأركيلة” للزبائن بكامل حريتها.
وفي سياق متصل تستمر “هيئة تحرير الشام” بحملاتها العسكرية والأمنية عبر شن حملات عسكرية لمحاربة تنظيمات “جهادية” كان آخرها جماعة “جند الشام” بقيادة المدعو “أبو مسلم الشيشاني” وبقايا حراس الدين وأنصار الإسلام وغيرها، كما تواصل مداهماتها لأماكن تواجد خلايا “تنظيم الدولة الإسلامية” في إدلب واعتقال العشرات منهم ضمن حملات أمنية مستمرة.
وأفادت مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأن “هيئة تحرير الشام” اعتقلت نحو تسعة أشخاص في كل من إدلب وأطمة والدانا وسلقين وحارم بالقرب من لواء اسكندرون في ريف إدلب الشمالي ومناطق في جسر الشغور في ريف إدلب الشمالي ينتمون لجماعة جهادية مجهولة تسمى “سرية أبي بكر الصديق” المتهمة بعدة استهدافات لأرتال عسكرية تركية والهجوم على مقرات عسكرية تابعة لعدة فصائل ونهب محتوياتها من أسلحة ومعدات.
ونشر المرصد السوري لحقوق الإنسان بتاريخ 10 تموز/ يوليو الجاري، بأن”هيئة تحرير الشام” نفذت حملة اعتقالات طالت 15 قيادي جهادي و 10 عناصر في صفوفها بطلب من المخابرات التركية، حيث تركزت الحملة الأمنية في حيي “الضبيط” و”الساعة” في مدينة إدلب إضافة لبلدات سلقين والدانا وسرمدا في ريف إدلب الشمالي.
وتأتي جميع هذه الإجراءات والتغيرات الجذرية بهدف محاولة “هيئة تحرير الشام” الظهور بمظهر الجماعة المعتدلة والمحاربة للإرهاب والمهتمة بشؤون المدنيين في مناطق سيطرتها وأنها تتعامل مع جميع المدنيين بذات السوية دون تمييز عنصري بين المكونات وعدم انتهاك حقوق الأقليات الدينية وكل ذلك بهدف إزالة تصنيفها كمنظمة “إرهابية”، وأن يكون لها دور في أي حل سياسي محتمل في المستقبل للقضية السورية.