المواطنة و موات الإيديولوجيا..عندما تصبح الدبابات فزاعات رثة.

د. محمد خالد الشاكر

يشير تتبع الكوارث التي عصفت وتعصف بمجتمعات الشرق الأوسط، وقبلها المجتمعات الأوروبية إلى فكرة وحيدة مؤداها، أنّ كل إيديولوجيا كانت تقدم نفسها على أنها الحل الوحيد لمشكلات مجتمعاتها، في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الفكرة في المجتمعات المتحضرة اليوم، مجرد فكرة عقيمة تناساها الزمن.

منذ نهاية حرب الثلاثين عاماً في أوروبا، وسلسلة الصراعات الدينية العقيمة التي مزقت أوروبا 1618- 1648، وذهب ضحيتها أكثر من 8 مليون مدني، ومروراً بالحربين العالميتين الأولى والثانية، التي ذهب ضحيتها أكثر من 100 مليون شخص، و انتهاءاً بالحرب الباردة بين القطبيين الرأسمالي والاشتراكي، التي أوقعت البشرية بأكثر من 100 حرب في العالم، ظلت البشرية تدفع ثمن الإيديولوجيات المنغلقة على نفسها. ما دفع الكثير من المفكرين في الغرب إلى الدفع بفكرة” موات الإيديولوجيا”، فتصدرت الكثير من عناوين الكتب منذ بداية سبعينيات القرن المنصرم، متسقةً مع تصاعد الحاجات اليومية للفرد، وتنامي الظاهرة الاقتصادية والتنموية في إطار العلاقات الدولية داخل النظام الدولي، الذي هو الآخر تراجعت معه فكرة الصراعات الإيديولوجية لصالح التنافسات الاقتصادية، وبالتالي فقد أصبح ديدن السلطات الديموقراطية الحاكمة هو تأمين احتياجات الفرد وصون كرامته في إطار صراع يتوازى والحاجات الاقتصادية والمعرفية والتنموية والثقافية للفرد.

لم تعد فكرة الأمن الوطني التقليدي، الحل الوحيد لتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بما فيها فكرة أمن الحدود الخارجية، فقد أصبحت الأخيرة مجرد حدود من شمع أمام نار الحاجات اليومية للفرد سواء منها المعرفية أوالتقنية أوالفكرية أو التنموية. وبالتالي بروز مستويات حديثة للأمن بالتوازي مع الفهم الجديد لماهية الديمقراطية، التي لم تعد تحددها أيضاً فكرة الأقلية والأكثرية، بقدر ما انصاعت إلى ديموقراطية الخطط والبرامج والدفاع عن حقوق الأفراد وحرياتهم العامة، وذلك بالحفاظ – أولاً – على كرامتهم داخل وطنهم في إطار ما يعرف بـ ” الديموقراطية المستدامة”، التي تراجع معها شعار ” الفرد الأمة” لصالح شعار ” الأمة الفرد”، ليصبح الأخير الفيصل بين النظم الديموقراطية والنظم الشمولية الدكتاتورية. وبالتالي تراجع المستويات التقليدية لمفهوم الأمن، سواء منها المستوى الوطني أو القومي، أو السياسي، أو العسكري، لصالح مستويات جديدة من الأمن المجتمعي.

بداية السبعينيات من القرن المنصرم وأبان الحرب الباردة، اشتغل هنري كيسنجر على وضع حد للصراع الأيديولوجي بين القوتين العظميين ( الولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتي)، حين شبه كيسنجر الحرب الباردة بـ ” الانتحار المتبادل”، واصفاً سياسة الولايات المتحدة بأنها بدون هوية ثابتة، لأنها أصبحت منفعلة بالصراع الإيديولوجي مع الاتحاد السوفياتي، وبالتالي فقد أصبحت غير فاعلة.

نجح هنري كيسنجر في تحديد هوية السياسية الخارجية الأمريكية بإنجاز دبلوماسية الوفاق الدولي، وتجاوز البعد الإيديولوجي لها منذ زيارته الشهيرة إلى الصين، وهي السياسية التي خرجت من ثوب الصراع الإيديولوجي، عندما عززها بريجنسكي في كتابه ” العصر التكنوتروني”. تاركين الاتحاد السوفياتي السابق ينهار رويداً رويداً في بيروقراطية إيديولوجياته.

في السياق ذاته، وبسبب إعادة تدوير الانتحار المتبادل بين القوى الإيديولوجية الثورية، سواء منها المحلية منها أو الإقليمية على الأرض السورية، توزّع السوريون بين قارات العالم هاربين من صراعات القوى الاستبدادية التي لبست ثوب الصراعات الإيديولوجية الكلاسيكية العقيمة. فاستقبلت دول اللجوء جميع مكونات الفسيفساء السورية، سواء منها العربي، أو الكردي، أو الآشوري، أو السرياني، أو الأزيدي ، أو المسيحي، أو السني ، أو الشيعي، أو العلوي، أو الإسماعيلي.. كما استقبلت هذه الدول جميع المكونات السياسية سواء منها الشيوعي، أو الأخواني، أو البعثي، أو الناصري، أو الملحد، دون أن تسألهم عن قوميتهم، أو دينهم ، أو طائفتهم، أو مذههبم، أو حزبهم. فأعطتهم البيت الذي مازلنا نعتبره حلماً في بلاد الإيديولوجيات الرثة، كما أنقذتهم من شبح الإيجار الشهري لبيوتهم. وفور وصولهم إلى بلاد اللجوء، أدخلت أبنائهم في أرقى المدارس والجامعات بالعالم، ومنحتهم ضمانات صحية، ورواتب شهرية لكل أب، وكل أم، وكل طفل. ويخطأ الإيديولوجيون فقد ” ظنوا بالناس ما ظنوا بأنفسهم”، حين روجوا لمقولة أن الدول التي استقبلتهم تحتاجهم، إذا ما عرفنا بأنها استقبلتهم كأمر واقع بسبب الهجرة غير الشرعية، ودليل ذلك أن هذه الدول مازالت تتخوف من موجات أخرى من اللجوء، وأنها مازالت تضع شروطاً قاسية، لقبول الهجرة الشرعية.

بالمقابل نجح السوريون في إثبات قدرتهم على ممارسة المواطنة، وإثبات أنفسهم كمواطنين صالحين، فقد امتثلوا لقوانين الدول التي عاشوا فيها، وأملاً في الحصول على وطن بديل، حصلوا على جنسيات البلاد التي دخلوها، فأصبحوا مواطنين أصليين، مثلهم مثل أي أمريكي، أو ألماني، أو سويسري، أو سويدي، أو استرالي، أو بريطاني عاش في بلده منذ آلالاف السنيين.

من نافل القول، بأن كلمة ” مواطنة” اشتقت من كلمة موطن أو مدينة POLIS، وهي في الإنكليزية CITIZENSHIP المشتقة من كلمة CITIY أي المدينة. ويعود مفهوم مصطلح ” المواطنة” إلى فكرة مؤداها، أنّ لكل فرد الحق في أن تكون له ” مدينة”، لا يعيش فيها وحسب، بل ويشارك في بنائها في إطار حقه بالمشاركة في شؤون إدارتها، و حكمها، ورسم سياستها، كممارسات تشكل الانتماء الفعلي لوطن يحفظ كرامته، كي يتسنى له المشاركة في بناءه.

تُرتب المواطنة على الفرد حقوق وواجبات في إطار علاقة تبادلية يحددها العقد الاجتماعي أو القانون الأسمى ( الدستور)، الذي يربط الفرد بوطنه، كلما تحققت له المساواة والعيش المشترك بين جميع مكوناته. وبالتالي فهم فكرة ” الدولة القانونية” التي يخضع فيها الجميع – حكاماً ومحكومين- تحت سقف القانون الذي لا يحيد عن بديهيات تتقدمها المشاركة، والتعددية، ومبدأ تداول السلطة، واستقلالية القضاء، والفصل بين السلطات … الخ.

يقول مونتسيكو في كتابه روح الشرائع : ” السلطة جموح ولا يحد السلطة إلا السلطة”. ويقول أيضاً ” السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”، وهي مفسدة أصبحت اليوم ذات علاقة جدلية، تبادلية التأثير بين الحاكم والمحكوم، وهي المفسدة التي نأى عنها السوريون في بلاد اللجوء، محققين بذلك مواطنتهم – كمحكومين- كلما خلعوا ايديولوجياتهم التي تلغي الآخر وتقصيه، وبالتالي قدرتهم في انتزاع حقهم من الحاكم، والمشاركة في بناء وطنهم، سياسياً، أو اقتصادياً، أو فكرياً، دون أن تُهان كرامتهم كلما حاولوا ذلك.

ما أصعب أن يعيش الإنسان داخل قوقعته الإيديولوجية ويطالب بالمشاركة في بناء وطنه، والأصعب من ذلك أن يُهان لمجرد أنه يطالب بالمشاركة في بناء وطنه. إنها المفسدة المطلقة التي اغتالت المواطنة / المدينة، كجريمة تشارك فيها الحاكم المستبد والمحكوم الإيديولوجي.
وبين هذا وذاك مازلنا نغادر جمعاً ونرجع فرادى، باحثين عن ذاك المكان الذي نسميه وطناً يجمعنا..

وطنٌ لم يبق منه في ذاكرتنا، سوى رائحة لجثة متفسخة يتصارع عليها كل آكلي الجيف..
باختصار: لا ثورة بدون فكر، ولا فكر بدون انفتاح ، ولا وطن بدون مواطنة تبدأ من دواخلنا..
مواطنة آن للمحكوم أن يتعلم انتزاعها من الحاكم، وإلا فإننا و أجيالنا القادمة أمام هزات عنيفة أخرى، وليس أصعب من صراعات يكون طرفاها إيديولوجيات هرمة ودبابات أصبحت مجرد فزاعات رثة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة