إيران.. فلتحصدوا نتائج أفعالكم

لم يتخيل قادة إيران مثل هذا السيناريو الثوري، عند بداية عدوانهم على الشعب السوري الثائر على نظام الحكم الفاسد والمستبد والمجرم، أو عند أيٍّ من تدخلاتهم السافرة الداعمة لقوى طائفية، أو أنظمة تماثل النظام السوري في كل من العراق واليمن ولبنان، وغيرها من الدول والساحات العربية والإقليمية. بل على العكس، كان قادة إيران من السياسيين والعسكريين يتسابقون في تصريحاتهم المتفاخرة عن سيطرتهم على أربع عواصم عربية، وعلى دورهم وقدرتهم الحاسمة والناجزة في منع سقوط نظام الأسد، وغيرها من تصريحات وتعليقات كثيرة تتغنى بتصرفات وسلوكيات لا يمكن وصفها بأقل من عربدة دولية أو إقليمية، إن لم نقل إنها ممارسات إجرامية خطيرة وكبيرة. 
فعلى الرغم من تعبير الشعب العراقي في مناسبات سابقة عديدة عن سخطه وغضبه من تدخلات إيران السافرة في شؤونه الداخلية، إلا أن ثورته الأخيرة ذات دلالات أكبر وأعظم من كل ما سبقها، نتيجة حجم وطبيعة المشاركة الشعبية العابرة للتقسيمات الطائفية. التقسيمات التي غذتها ورعتها إيران، بالتعاون مع صديقتها الأقرب في العراق الولايات المتحدة الأميركية، والتي دفعت العراقيين إلى رفع شعار” إيران برّه برّه” وإحراق المقار والأبنية التي تمثل النفوذ الإيراني في البلاد، وفي مقدمتها القنصلية الإيرانية. ثم لم تكد تمضي سوى بضعة أيام على ثورة العراقيين الوطنية، حتى بوغتت إيران وأذنابها بثورة لبنانية وطنية، فاجأت حكام المنطقة بأكملهم، وفي مقدمتها  

قوى ودول محور الإجرام، وتحولت التظاهرات اللبنانية إلى مصدر قوة وإلهام للمتظاهرين العراقيين، وبالمثل تحول العراقيون وثورتهم الشجاعة والصامدة على الرغم من إجرام قوى الاستبداد والطائفية المدعومة إيرانيا إلى منارةٍ تنير درب الثورة اللبنانية، وترشدها إلى أهدافها الوطنية والإنسانية. ثم جاء دور الشعب الإيراني كي يستلهم من النموذجين، العراقي واللبناني، القوة والشجاعة والجرأة مندفعا في شوارع إيران، ومحرقا صور المرشد ومقرات أمنية معروفة بظلمها وجبروتها وطغيانها وإجرامها في الداخل الإيراني، بالإضافة إلى فروع بنكية ومؤسسات مالية، دلالة على جذر الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الداخلية، والبعيدة كل البعد عن هراء الساسة الإيرانيين الذين يحمّلون الولايات المتحدة مسؤولية الوضع الداخلي، خصوصا بعد الانفجار الاحتجاجي. 
إذا تغير المشهد الإقليمي في غضون شهر واحد أو أكثر بقليل، بفعل الحراك الشعبي الوطني في كل من العراق ولبنان، وأيضا بفعل حراك الإيرانيين الذي قد يتبلور، ويعبر عن مكنوناته الوطنية بوضوح شديد في قادم الأيام؛ على الرغم من التضييق والتكتيم الإعلامي، والقمع الأمني الذي ينتجه النظام الإيراني تجاه المتظاهرين اليوم، كما اعتاد على ذلك في مناسبات وتحركات احتجاجية سابقة. تحرّكات تفجرت بحكم الظروف المعيشية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في هذه الدول، وهي ظروف بلغت حدا لم يعد بمقدور الشعوب تحمله، في مقابل تمتع الفئات المسيطرة بثروات وخيرات الوطن والمواطنين، فقد أوغلت هذه القوى المسيطرة في نهب الوطن والمواطن، سيما بعد اعتقادها بأنها قد تمكّنت من وأد الثورة السورية بنيران إجرامها وطائفيتها، حتى باتت تعتقد أن الشعب السوري وشعوب المنطقة أجمع تخشاها وترتعد خوفا من إجرامها، لذا بالغت في التغني بقدراتها الإجرامية والتدميرية، وزادت من حدّة خطابها المعادي لتطلعات الشعوب، ومن استهزائها بأي تحرك أو مطلب شعبي مهما كان وطنيا، كما تعمدت تهديد شعوب المنطقة بالمصير المأساوي نفسه الذي أذاقته للشعب السوري إن تجرأت في أي يوم على مواجهتها وكسر القيود التي كبلتها بها، غير عابئةٍ بالصعاب والأعباء التي يتحملها المواطن نتيجة سياساتها التدميرية الداخلية والخارجية، وغير مكترثةٍ باستمالة الرأي العام، أو حتى مسايرته ولو قليلاً، فقد بلغت مرحلة لا توبة بعدها، وأصبحت تستمد شرعيتها من إيران، ومن مليشياتها الإجرامية وجرائمها بحق الإنسانية، وحمامات الدم الذي أراقته في سورية واليمن والعراق ولبنان وإيران، وتحولت الشعوب في نظرتها ومنهجها إلى مجرد قطعانٍ يمكن ذبحها على قربان مصالحها الفئوية البغيضة. 
طبعا لم تتهاو سيطرة القوى الطائفية والإجرامية المدعومة إيرانيا بعد؛ كما لم ينهار نظام المرشد أيضا، إلا أن رياح الموجة الثورية الحالية واضحة الاتجاه والهدف، سواء نجحت في بلوغ غاياتها  

اليوم أو في المستقبل القريب حتى المتوسط، فقد عبرت هذه الثورات عن ولادة مناخ سياسي وثقافي وطني جامع وموحد لغالبية أطياف المجتمع وفئاته، يتسم بتجاوزه للتقسيمات الطائفية والفئوية التي جهدت إيران وأذنابها على زرعها في المنطقة. مرحلة قد يصعب، إن لم نقل يستحيل، كسرها والعودة بعجلة التاريخ إلى الخلف، بعدما تم فضح إجرام وطائفية ومصالح جميع الأطراف المحرّكة لها، بداية بمحور الإجرام الإيراني، وليس انتهاء بالمحور الأميركي والصهيوني، وما بينهما من محاور أو تحالفات إقليمية ودولية تعادي حركة الشعوب وحريتها ووحدتها وحقوقها أينما كانت، وبأي زمان كان. 
وعليه، ما يحدث اليوم من ثورات أو انتفاضات شعبية في كل من لبنان والعراق وإيران هو نتيجة منطقية ومتوقعة لتمادي إيران وأعوانها في إجرامهم بحق شعوب المنطقة، الإجرام المدفوع بمصالح فئوية ضيقة، وكان أحد أهم أسباب تسارع وتيرة الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية في كل من هذه الدول، انهيارات ساهمت في افتضاح طبيعة هذه القوى الطائفية والإجرامية، وفي الكشف عن فسادها المالي ونهبها ثروات الوطن والمواطنين. وبالتالي، فإنهم يدفعون اليوم ثمن حمام الدم الذي أسالوه في سورية واليمن وغيرهما من دول عربية، حتى لو لم تتمكن هذه الثورات من هدم صرح الاستبداد والطائفية القابض على أنفاسها في الأيام القليلة القادمة. فقد خسرت إيران وأذنابها الجزء الأكبر من رصيدها الشعبي، الداخلي منه والإقليمي، منذ أول رصاصةٍ صوبتها باتجاه المتظاهرين السلميين، وها هي اليوم تخسر الجزء المتبقي لها وتغدو عارية أمام الرأي العام العربي والإقليمي، من دون أي لباسٍ أو قناع يخفي فجورها وإجرامها وفسادها واستبدادها وجبروتها، لذا لن يطول بقاؤها حتى لو تمكنت من قمع وكبت هذه الموجة من الاحتجاجات، كما لن تدوم سيطرتها ونفوذها السياسي شعبياً بعد اليوم، مهما كذبت وحاولت حرف الحقائق وتغييرها، فقد أعلنت شعوب المنطقة أن زمن محاسبة القتلة والمجرمين والفاسدين ومعاقبتهم قد حان أوانه اليوم، ولن تهدأ حتى تحقيقه.

الكاتب :حيان جابر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة