نظرة في اجتماع الرياض السوري

بدعوةٍ من وزارة الخارجيّة السعودية، انعقد في الرياض، يومي 27 و28 ديسمبر/ كانون الأول 2019، اجتماعٌ ضمّ 65 مدعواً سورياً تحت مسمّى “مستقلّين”. تمّ لاحقاً اعتباره بمثابة انعقاد للهيئة العامّة لهذا المكوّن من معارضي النظام السوري من المستقلّين الممثلين في الهيئة العليا للمفاوضات السورية. ونجم عن اللقاء انتخاب 13 عضواً يشكلون الأمانة العامة لهذا الجسم، وثمانية أعضاء يمثلونه في هيئة المفاوضات. وشابت الاجتماع ثغراتٌ وعثرات، حسب رؤية أقطابٍ في المعارضة السورية، كان أوضح تعبير عنها ما عبّر عنه رئيس الهيئة، نصر الحريري، في مؤتمر صحافي عقده في اسطنبول أول أيام المؤتمر. ولا شكّ في أنّ ما قبل مؤتمر المستقليّن هذا في الرياض ليس كما بعده.
لا تعمل مؤسسات المعارضة السورية فقط في أجواء من التخبّط وضياع البوصلة الوطنية والارتهان للمصالح الشخصية، وتقديمها على مصلحة الوطن والثورة، بل أيضاً ضمن نطاق التحيّز لدول مختلفة، ومن باب الاصطفاف وراء المحاور الإقليمية، والتبعيّة الواضحة والارتباط الوثيق بأجنداتها ومصالحها، والذي لم نرَ له في الماضي، ولن نرى له في المستقبل القريب، أي انفكاك أو انفصام. كان المؤتمر الصحافي لنصر الحريري مثالاً واضحاً وطازجاً على هذا التخبط، فمناقشة هذه الأمور لا تتم عبر منصات الإعلام، بل في الغرف المغلقة وبالمراسلات الرسمية، إلّا إذا كان الهدف منها غير ما تضمّنته وصرّحت به.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة التحرّكات السياسية كما التحركات الميدانية العسكرية. لقد بات  

واضحاً لكلّ ذي عين ترى كيف استطاع الروس، بالاتفاق مع شركائهم في أستانة، تحييد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وعزلها عن بعضها بعضا ضمن خطّة خفض التصعيد العسكري، وبات معلوماً للجميع أنّ الغاية من ذلك قد تحققت بقضم هذه المناطق، واحدة تلو الأخرى، وأنّها ستسلّم، في النهاية، للنظام السوري، تحت حجّة الحفاظ على سيادة أراضي الدولة السورية واستقلالها ووحدتها. ولا تختلف التحرّكات السياسيّة عن العسكريّة سوى بالأدوات والأساليب، أمّا الأهداف فهي واحدة، وتسير وفق الخطّة المتّبعة. 
يؤكّد المؤتمرون جميعاً، والمتصارعون بكلّ فئاتهم، على استقلاليّة قرارهم، وينسبون للدول الراعية لهم حياديّةً فائقةً تصل حدّ التطهريّة، لكنّ هذا لن يشوّش الرؤية على المتابع العادي. وطبيعة الصراع التناحري الذي تخوضه قوى الثورة مع النظام السوري، والاستهداف الأمني والعسكري المنفلت من كلّ لجام والذي مارسه ضدّ السوريين، جعلت من بناء مؤسسات ثوريّة في الداخل أمراً شبه مستحيل. ودفع هذا الأمر بعض القوى إلى العمل في الخارج ضمن الرعاية المباشرة لإحدى دول المحوريْن، السعودي أو التركي.
لم يكن على أيٍّ من دول هذين المحورين أن تطلب من السوريين ما تريده لتحقيق مصالحها، فقد كانوا سبّاقين لمعرفة هذه المصالح وتلبيتها للرعاة من دون طلب. ما يعود إلى البنية النفسيّة التي يتمّتع بها معظم أقطاب هذه المعارضة، فهم بالأغلب الأعم من سياسيي المصادفة الذين أتاحت لهم تضحيات السوريات والسوريين الثائرين فرصة تبوّء المناصب والمهام التي ما كانوا حتى في أحلامهم يرونها. يفتقد أغلب أعضاء المعارضة السورية، للأسف، للمعايير الوطنيّة التي يجب أن يتوفّر عليها قادة الثورات ورجالات الدولة في أوقات الأزمات والمنعطفات  

التاريخية الصعبة.
لهذا وجدنا على الدوام أنّ أي اجتماع أو لقاء أو مؤتمر للمعارضة السوريّة، سواء أعقد في الداخل أم في الخارج، وصل إلى النتائج نفسها، من حيث زيادة الاختلاف، بدل تقريب المصالح ووجهات النظر، وتكريس الانقسام بدل توحيد الجهود، وتشتيت القوى بدل تركيزها. ثمّة داءٌ عضالٌ، اسمه الأنا السوريّة المتضخمّة تجاه السوري الآخر، والقزمة المتواضعة في الوقت نفسه تجاه الغريب أيّاً كان، أخاً أم صديقاً أم عدّواً، قريباً أم بعيداً. 
افتقدت مؤسسات الثورة، على الدوام، أساسيات العمل الاحترافي البيروقراطي بمعناه الإيجابي، أي العمل التراكمي القائم على أسس وقواعد ثابتة، والنابع من إحساسٍ عميقٍ بالمسؤولية، والمستند إلى معايير واضحة، تنحاز على الدوام إلى تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الشخصية. كان من أوضح أشكال هذا الفقر المؤسساتي المحاصصة بين المكوّنات السياسية المختلفة، والابتعاد عن الأجواء الديمقراطيّة الحقيقية، واحتكار بعض الشخصيات للمناصب، وجمع بعضها أكثر من منصب ولدورات عديدة شبه لا نهائية. يضاف إلى ذلك كلّه التقيّة السياسية التي اتبعها تيّار سياسي محدد ذو صبغة دينيّة، والانتهازيّة الغبيّة لليسار الذي قبل المشاركة تحت جناحهم. لم يستطع أي جسم سياسي، ولم تتمكن أية مؤسسة ثورية، من إنجاز استحقاقاتها بديمقراطيّة حقيقيّة، فكانت عملياتها أشبه بالترقيع الساعي إلى ذرّ الرماد في العيون. الأمثلة كثيرة، ولعلّ مشاركة المرأة في هذه التشكيلات أبسط ما يمكن الإتيان به في هذا الخصوص. 
يزعم مآل المقال هنا أنّ ما قبل مؤتمر الرياض أخيرا ليس كما بعده، من ناحية التمثيل 

السياسي للمعارضة السورية بالتحديد. لم يعد ممكنا البقاء في الوسط مرّة مع هذا الطرف وأخرى مع ذاك، لا بدّ من اتخاذ اصطفافات واضحة بين المحورين، لم يعد الحياد ممكناً. سيعقد مؤتمر ثالث في الرياض قريباً لإعادة هيكلة الهيئة العليا للمفاوضات، بحيث يكون للمستقلّين دور أكبر في بنيتها الإدارية. ولا أحد يعرف إن كان أمرٌ كهذا سيعود خيرا على أداء الهيئة أم لا، لكنّه بكل تأكيد سينزع بعض الأوراق من يد المحور التركي. والشرعية الدولية التي اكتسبها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة تقف حائلاً أمام تجاوزه، كما تمّ مع المجلس الوطني من قبل، ولهذا سيكون واجبا على السوريين، ثواراً ومعارضين، العمل على إصلاح مؤسسة الائتلاف من الداخل وعدم تقويضها. العائق الكبير أمام ذلك هو منظومة المستفيدين من بقاء الحال على ما هو عليه، وهم ليسوا مجرّد أفراد، بل قد باتوا ظاهرة حقيقية. 
خطوات التغيير قادمة، وهذا مطلب دولي، إضافة إلى أنه ضرورة سوريّة ملحّة. سيطاول التغيير جميع المكونات، وفي كل المؤسسات السياسية للثورة السورية. يجب أن يكون الجميع على قدر المسؤولية الكبيرة. أغلب الظنّ أن قطار التغيير قد انطلق، وستكون انتخابات عام 2021 إحدى محطّاته لمتابعة السير إلى الأمام، فإن استطاعت المعارضة السورية أن تصلح ذاتها وبنيانها وهياكلها وأن تطوّر رؤاها وشراكاتها، فسيكون لها مقعد في هذا القطار، وإلّا فستنزل في أقرب محطّة قادمة. فهل السوريون قادرون على ذلك؟

الكاتب:حسان الاسود  – المصدر:العربي الجديد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة